فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 604

وإنما حسنت الإشارة إليه بالاسم الدال على البعد تنبيهًا لبعيد رفيع منزلة كلام الله سبحانه عن كل كلامٍ سواه، ولأن البعد هنا باعتبار علو المنزلة، وبعد مرتبة المشار إليه (وهو القرآن) من مرتبة كل كتاب وكل كلامٍ سواه ..

وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلتَ: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟

قلتُ: وقعت الإشارة إلى"الم"بعد سبق التكلم به وتقضَّيه، والمنقضى في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام؛ كما يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه، وكما قال اللَّه تعالى: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) . وقال أيضا: (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) ، وقيل معناه: ذلك الكتاب الذي وعد الله به الناس من قبلُ) .. ثم قال رحمه الله: (ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول: هذا هو الرجل، أى الكامل في الرجولة، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. وكما قال الشاعر:

وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هُمّ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ. ا. ه.

وانظر إلى تلك المفارقات العجيبة البعيدة بين إنسان أمّى، لا يقرأ ولا يكتب، يصطفيه الله للنبوة، ويختاره لرسالة دستورها القرآن الكريم، الذي يتلقاه وحيا من السماء على مدى نيف وعشرين سنة .. ثم تكون «اقْرَأْ» أول كلمة تفتتح بها هذه الرسالة .. ثم تتبع بكلمتي «عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» . وفى هذا ما يؤذن النبىّ بمحتوى جديد من محتويات رسالته، وهو الدعوة إلى القلم والقراءة والكتابة، فذلك من النعم التي أنعم الله بها على عباده، إذ سرعان ما أقبل العرب الأميون على القراءة والكتابة، على أنها دعوة من دعوة الدين، ولفتة من لفتات الشريعة، فتعلّموا وعلموا ما لم يكونوا يعلمون .. ثم بنوا حضارة العلم والإيمان تجوب الدنيا كلها .. ليعلم الملحدين والمنافقين الفاسقين أن العلم والإيمان هما قوام دين الله الحق .. {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) } [الأنفال: 42] .

(2) "لاَ رَيْبَ فِيهِ".. إن قيل: كيف يجوز أن يقال: لا شك فيه؟ وقد شك فيه كثير من الكفار والملاحدة والمنافقين؟

فيه ثلاثة أجوبة:

(أ) لاشك فيه عند المؤمنين به الذين يقرأونه عن إيمان ويقين؛ فينتفعون به وهو على الكافرين عمى لأنهم عموا عن الهداية فلا يبصرون نوره؛ كما قال البوصيرى في بردته:

قد تنكر العين ضوء الشمي من رمدٍ ... وينكر الفم طعم الماء من سقمِ

(ب) وقيل: معناه لا شك فيه، أي لا ينبغي أن يشك فيه أحد؛ فهو أبعد ما يكون عن التهمة والريب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت