لأن القرآن تحدي بإعجازه أرباب الفصاحة وحملة العلوم على مر العصور فلم يستطع محاكاته أو اظهار النقص فيه معاند مهما بلغ؛ فلا ينبغي أن يشك فيه أحد أنه من الله تعالى .. قال الزمخشري: ما نُفى أنّه لا يرتاب فيه أحدٌ؛ وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظِنَّة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) .. وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: إن القران بالغٌ من وضوح الأدلة وظهور المعجزة ما ينفي تطرق أي ريب إليه, وريب الكفار فيه إنما هو لعمي أبصارهم كما بينه تعالى بقوله"أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى" {الرعد: 19} .. فصرَّح بأن من لا يعلم أنه الحق أن ذلك إنما جاءه من قبل عماه ومعلوم أن عدم رؤية الأعمى للشمس لا ينافي كونها لا ريب فيها لظهورها.
إذا لم يكن للمرء عينٌ صحيحةٌ ... فلا غروَ أن يرتاب والصبحُ مُسْفِرُ ا. هـ ..
وقال ابن الجوزي: ليس في الحق يا أمامه ريب ... إنما الريب ما يقول الكذوب .. يشرحه صاحب تنوير الأذهان بقوله: إن هذا نفى الريب عن الكتاب لا عن الناس، والكتاب موصوف بأنه لا يتمكن فيه ريب فهو حقٌ صدقٌ معلومٌ ومفهوم ـ شك فيه الناس أولم يشكوا ـ كالصدق صدقٌ في نفسه وإن وصفه الناس بالكذب، والكذب كذب وإن وصفه الناس بالصدق، فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب أو يتمكن فيه عيب. انتهى [1]
(ج) وقيل معنى"لا ريب فيه": أى لا ترتابوا فيه فهو الصدق والحق والخير؛ كأنها جملة خبرٍ بمعنى الطلب كما قال تعالى في فريضة الحج"فلارفث ولافسوق"أى لا ترفثوا وتفسقوا.
(3) المتأمل في براعة الأداء البلاغي القرآني يجد حسن الوقفات والتقطيع في الآيات إلى جملٍ مستقلة كلٌ منها يحمل بلاغته وفصاحته وأدائه المعنوي الرائع ثم يسلم القياد في تناسقٍ رائعٍ للجملة التي تليه بغير حروف ربط (عطف) فتجئ الجمل متآخية متعانقة متتابعة تنساب في خطٍ شعورى ومعنوي متصلٍ لا يتوقف وبلا رابطٍ سوى انسياب النظم والمعنى ..
فيُقال إن قوله تعالى: (الم) جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. و (ذلِكَ الْكِتابُ) جملة ثانية. و (لا رَيْبَ فِيهِ) ثالثة. و (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) رابعة .. فقد نبَّه أولا على أن الكلام المتحدَّى به من جنس حروفهم، ثم أشير إلى أن هذا الكلام هو الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرًا لجهة التحدي في هذه الحروف .. ثم نفى عنه أن يتشبث بهذا الكتاب طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلًا بكماله، بدليل عجزهم عن معارضته بمثله وهو من جنس كلامهم .. ثم أخبر عن هذا
(1) {تنوير الأذهان حـ 1 صـ 18}