فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 604

الكتاب الذي ثبت كماله عند ذوي العقول بأنه هدى للمتقين .. وفي كل جملةٍ من هذه الجملة نكت من الفصاحة يدركها المتأملون .. [1]

(4) وفي قوله تعالى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) }

• وذكر الصلاة والصدقة لأنّ هاتين أُصول العبادات البدنية والمالية، والأساس لغيرهما ..

ومن ثم اختصر الكلام اختصارًا، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين.

• قال الراغب: إقامة الصلاة توفية حدودها، وإدامتها.

وتخصيص الإقامة تنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط. لهذا، لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو قوله تعالى {أَقِمِ الصَّلاةَ} [هود: 114] ، وقوله {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} [الإسراء: 78] ، {والَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [المائدة: 55] . ولم يقل: المصلين، إلا في المنافقين: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ} [الماعون: 4 - 5] ، وذلك تنبيه على أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل- كما قال عمر رضي الله عنه: الحاجّ قليل والركب كثير- ولهذا قال عليه السلام «من صلى ركعتين مقبلا بقلبه على ربه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» .. فذكر مع قوله «صلّى» الإقبال بقلبه على الله تنبيها على معنى الإقامة، وبذلك عظم ثوابه. وكثير من الأفعال التي حثَّ تعالى على توفية حقه، ذكره بلفظ الإقامة، نحو قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة: 66] ، ونحو قوله: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} [الرحمن: 9] تنبيها على المحافظة على ضبط الموازين والعدل. انتهى [2]

• وإسناد الرزق إلى نفسه سبحانه {ومما رزقناهم} للإعلام بأنهم ينفقون من رزق الله لهم وماله الذي أعطاهم وليس من ملكهم ..

وأدخل من التبعيضية صيانةً لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه .. كما قال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وأبدأ بِمن تعول» [3] ... يقول صاحب أضواء البيان: عبر في هذه الآية الكريمة بـ (من) التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله ليس كله. ا. ه.

وقدّم مفعول الفعل {ومما رزقناهم} على الفعل {ينفقون} دلالة على كون اختيار الطيب الحلال في الإنفاق أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به .. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ

(1) مستفاد من تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 37) .

(2) نقلا عن تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 244) .

(3) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم عَن حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ رضى الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت