(6) قوله تعالى"أولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) "..
وذلك أنه لما قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) واختصّ المتقون بأنّ الكتاب لهم هدى، كان لسائلٍ أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع الجواب في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى آخر السياق كأنه قيل لأن المتقين هم الذين انتفعوا به فكان من صفاتهم كيت وكيت ... وجيء بصفة المتقين وخصائصهم التي استوجبوا بها من اللَّه أن يلطف بهم، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أى الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم، أحقاء بأن يهديهم اللَّه ويعطيهم الفلاح"أولئك على هدى من ربهم .."الآية.
وفي أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضًا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللَّه. وفي اسم الإشارة الذي هو (أولئك) إيذان بأن مقام الهدى والفلاح يتحدث عن المؤمنين بما أنزل على محمد وما أنزل من قبله والموقنين بالآخرة من المتقين ومن أهل الكتاب.
• ومعنى الاستعلاء في قوله: (عَلى هُدىً) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه.
يقول ابن القيم: وأتى بـ"على"في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ"في"كما في قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفعٌ به، وصاحب الضلال منغمس فيه ذليلٌ محتَقَر.
• ومعنى"هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ"أى ان الهداية من الله وحده .. فهو مصدر الهدى وحده سبحانه ..
وهو اللطف والتوفيق إلى التوحيد وأعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل .. والهداية نوعان: هداية دلالة وبيان وهذه من الله وجعلها للأنبياء والذين يدعون إلى طريقه يبينون للناس (يهدونهم) سبيل الحق كما قال تعالى {وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} أى هداية دلالة وإرشاد، ولكن هداية التوفيق والسداد واتباع صراط الله تعالى فمن الله وحده كما قال تعالى {وإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} أى يوفقه ويخلق فيه الاهتداء والسداد والفلاح ..
• وفي تنكير {هدى} لإفادة قيمة وجمال وجلال هذا الهدى، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا.
• وفي تكرير {أُولئِكَ} تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم فضيلة الهدى، كذا ثبتت لهم قيمة وجلال الفلاح، ولو كان لهم إحداهما لكفته، فمن مِنَّة الله عليهم أن جمع لهم الهدى والفلاح.