فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 604

الذنب فيسودّ قلبه فإن هو تاب صقل قلبه"قال: وهو الرَّين الذي ذكره الله في القرآن في قوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ."

والقلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32] . وقال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] يعني في الموضعين قلبك.

وقد يعبر به عن العقل؛ قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37] أي عقل؛ لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين.

والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد؛ والله أعلم [1] .

5.قال أبو حيان: وذكروا أيضًا أن في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعًا:

الأول: الخطاب العام اللفظ الخاص المعنى.

الثاني: الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس، أي يتقرر أن الإنذار وعدمه سواء عندهم.

الثالث: المجاز، ويسمى: الاستعارة، وهو قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} ، والختم هنا معنوي، فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير له اسم المختوم عليه فبين أنه من مجاز الاستعارة.

الرابع: الحذف، وهو في مواضع: منها: أن الذين كفروا، أي أن القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به. ومنها: لا يؤمنون بالله وبما أخبرتهم به عنه. ومنها: ختم الله على قلوبهم فلا تعي وعلى أسماعهم فلا تصغي. ومنها: وعلى أبصارهم غشاوة على من نصب، أي وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون سبيل الهداية. ومنها: ولهم عذاب، أي ولهم يوم القيامة عذاب عظيم دائم، ويجوز أن يكون التقدير: ولهم عذاب عظيم في الدنيا بالقتل والسبي أو بالإذلال ووضع الجزية وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم.

الخامس: التعميم: وهو في قوله: {ولهم عذاب عظيم} ، فإنه لو اقتصر على قوله عذاب ولم يقل عظيم لاحتمل القليل والكثير، فلما وصفه بالعظيم تمَّم المعنى وعلم أن العذاب الذي وعدوا به عظيم، إما في المقدار وإما في الإيلام والدوام.

السادس: الإشارة، فإن قوله: {سواء عليهم} إشارة إلى أن السواء الذي أضيف إليهم فإن وباله ونكاله عليهم لا على أحد سواهم؛ فعدل بالتعبير عن قوله (سواء عندهم) إلى (سواء عليهم) .

السابع: مجاز التشبيه شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية بالوعاء المختوم عليه المسدود منافذه المغشي بغشاء يمنع أن يصل إليه ما يصلحه، لما كانت مع صحتها وقوة إدراكها ممنوعة عن قبول الخير وسماعه وتلمح نوره،

(1) راجع {تفسير القرطبى حـ 1 صـ 187 ـ 189} ، {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 252 ـ 253}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت