ـــــــــــــــــــــــــــــ
المسجد النبوي ومتصلًا به، وكان بمكة مسافرًا والمنزل بعيد، فجعل التقدم قائمًا مقام الرجوع إلى البيت، وقال الطيبي [1] : لعله فعل ذلك تعظيمًا لصلاة الجمعة، وتمييزًا لها عن غيرها، وأما تخصيص مكة بما فعل دون المدينة فتعظيم لها، انتهى.
ولعله -رضي اللَّه عنه- إنما زاد في الصلاة بمكة بأن صلى ثمة ستةً لكثرة الثواب أضعافًا مضاعفة، ولجواز الصلاة في الأوقات المكروهة فيها، وقال الترمذي: روي عن علي ابن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- أنه كان يأمر بالركعتين بعد الجمعة، ثم بأربع، والسنة عند أبي حنيفة -رحمة اللَّه عليه- بعد الجمعة أربع، وعند صاحبيه ست: أربع، ثم اثنتان، هذا في الصلاة بعد الجمعة، وأما الصلاة قبل الجمعة فثابت، وقد أنكره بعض المحدثين وبالغوا في الإنكار، وقال صاحب (سفر السعادة) [2] : الذين قالوا بسنة الجمعة قبلها، إنما قالوا بها قياسًا على الظهر، وإثبات السنن بالقياس غير جائز، وقال: ومن صنف من العلماء في سنن الصلوات واعتنوا بضبطها لم يرووا فيها شيئًا، انتهى.
وأقول: اعلم أن الترمذي عقد في جامعه بابًا في الصلاة قبل الجمعة وبعدها، وأورد في كل منها أحاديث، وقال: وروي عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا، وذهب سفيان الثوري وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وفي (جامع الأصول) [3] من حديث (الموطأ) عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنه قال: كانوا في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- يصلون يوم الجمعة، حتى يخرج عمر -رضي اللَّه عنه-، وإذا خرج جلس على منبر فأذن المؤذن، الحديث.
(1) "شرح الطيبي" (3/ 93) .
(2) "سفر السعادة" (ص: 117) .
(3) "جامع الأصول" (5/ 685) .