فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْت عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي:"يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ. . . . ."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (ما قد غشيني) أي: من التكذيب والوسواس.
وقوله: (ففضت) على وزن (بعت) ، من فاض الماء يفيض فيضًا: كثر حتى سال، و (عرقًا) تمييز، وهذا أبلغ من أن يقول: فاض عرقي، مثل قول القائل: سالت عيني دمعًا، و (فرقًا) بفتحتين، أي: خوفًا، مفعول له، و (أرسل) بصيغة المجهول أو المعلوم، أي: اللَّه تعالى، والأول أشهر رواية، والثاني أبلغ معنى؛ لأنه لما انكشف على أبيّ جلال اللَّه ونظر إليه بعين قلبه أرجع إليه الضمير غير ما سبق ذكره، أي: أرسل الذي رأيته ونظرت إليه.
وقوله: (أن أقرأ) بلفظ المتكلم والأمر.
وقوله: (فرددت) أي: راجعت إليه (فرد) أي: أرسل (إليّ الثانية) بلفظ المجهول أو المعلوم، والظاهر أن (اقرأه) هذا بلفظ الأمر، وكذا ما بعده.
وقوله: (ولك بكل ردة [رَدَدْتُكَهَا] مسألة) [1] أي: إجابة مسألة أيّ مسألة كانت،
(1) قال القاري (4/ 1511) : أَيْ لَكَ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دَفْعَةٍ رَجَعَتْ إِلَيَّ، وَ (رَدَدْتُكَهَا) بِمَعْنَى أَرْجَعْتُكَ إِلَيْهَا بِحَيْثُ مَا هَوَّنْتُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ"مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا"قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، يَعْنِي مَسْأَلَةً مُسْتَجَابَةً قَطْعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلَنِيهَا فَأُجِيبَكَ إِلَيْهَا، انتهى.