وقوله تعالى وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (1) .
فجعلت هاتين الآيتين الخيرات مادة المسبق لكل الناس، والخيرات اسم جامع لكل مجالات النفع، وهي العامل المشترك الأكبر الذي يلتقي عليه الناس جميعا، وأي لفظة غير الخيرات، يختلف عليها الناس بحسب تعصبهم، فلو قال الله: اسابقوا إلى الإسلام، لعاند اليهود والنصاري وغيرهم، فجعلت مادة السبق الخيرات، التي لا يختلف عليها مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا أي ملة من ملل الأرض.
وإن كتاب الله يحاجج الناس انطلاقا من مادة «الخيرات» ، فهل أعمالهم ومشاريعهم محققة لها، فإذا كانت السيئات مادتهم في الحياة الدنيا، فأنى لهم الأسبقية؟! قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )) (2) ، فالمنوجه إلى الله زاد طريقه الخيرات، أما الذين يعملون السيئات، فحاشا لهم أن تكون وجهتهم إلى الله، وحاشا الله أن يتقبلها منهم.
كما بين الآيتان أعلاه أمرين هامين: 1. الابتداء بالخيرات نية وتوجها وقصدا، وذلك أن يكون للمتسابقين نية
السبق إلى الله، فتكون النية الخالصة لله هي الباعث على اختبار وجهة الخيرات، وهذا واضح في الآية الأولى، كما هو واضح في
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات (3) 2. الشروع في الخيرات مادة وعمة ومسلكا، وذلك بحسب المعطيات
المادية المسخرة للإنسان من عند الله لكسب الخيرات، وهذا واضح في الآية الثانية
(1) سورة المائدة: الآية 48
(2) سورة العنكبوت: الآية 4.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم 3، حديث رقم 1، ومسلم: کتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: وإنما الأعمال بالنيات)، حديث رقم 1907,