مالهم، وفيه ترشيدهم وهدايتهم، وإن هذا المنهج الرباني يحمل قواعد إلهية بعث بها الرسل لترشد الناس إلى الحق في الاعتقاد وإلى الخير في السلوك والمعاملة، وإن الخضوع لها أمر ونهيأ بحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة.
إذن لقد خلق الله الإنسان وأعزه وفضله على غيره ممن خلق، فجعله مستخلفة في أرض الله، وذلك لعمارة الأرض وإقامة الدين، ولقد سخر الله له الكون وأودعه ما يؤهله ليكون خليفة الله، فوهبه القدرات الجسدية والعقلية والروحية ليحمل هذه المسؤولية، تلك الأمانة العظيمة الثقيلة التي عجزت السماوات والأرض على حملها، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) (1) ولقد قيل: إن خاتمة هذه الآية فيها مدح وذه معا، أو مد بصورة الذم، هو مدح لإقدامه وذه لإحجامه، مد لمن حمل الأمانة وأذى حقها، وذم لمن لم يؤد حقها (2)
وقد وضحت الدكتورة عائشة عبد الرحمن معنى الأمانة في قولها: أفلا تكون هذه الأمانة هي الابتلاء بتبعة التكليف وحرية الإرادة ومسؤولية الاختبار؟ بلى! فكل الكائنات عدا الإنسان مسيرة بمقتضي سنن کوئية على وجه التسخير والامتثال دون تحمل لنبعة ما تعمل (3) . ومن هنا كان الإنسان بعقله وإرادته محلا للتكليف، لذلك من فقدهما كالصبي والمجنون لم يكن أهلا لحمل أمانة التكليف، ولا محلا للحساب والجزاء.
(1) سورة الأحزاب: الآية 72.
(2) عبد الكريم الخطيب، المسلمون ورسالتهم في الحياة، مرجع سابق، ص 15.
(3) عائشة عبد الرحمن، القرآن وقضايا الإنسان، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة
الرابعة، 1981 م، ص 14,