مادة وروح، بما يحقق من سيطرة على موارد الكون، وسيطرة على نوازع الهوى، إنجازا في ذلك للخلافة التي ينال بإنجازها أرقى الدرجات في حياة الخلود؛ وبهذه المعاني تكون الحياة بعد الموت منة إلهية على الإنسان هي أعظم من مئة الحياة المشاهدة، لأنها متوقفة في قيمتها عليها، فهي تشيع في النفس الإنسانية الطمأنينة وينتفي منها رعب العدم، وبها بشعر الإنسان بعزة البقاء فيملأ حياته الدنيا بروح من تلك العزة» (1) .
ولقد كرم الله الإنسان أيضا في تكوينه، إذ نفخ فيه من روحه وخلقه على أحسن تقويم، فجاء في معنى شرفية الخلق قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (2) وإذا كان النفخ من روح الله غير محمول على معناه الظاهر كما توهمه بعض الحلوليين (3) ، فذهبوا إلى أن الإنسان حل به جزء من أجزاء الله تعالى، فإن إسناد النفخ وإضافة الروح إلى ضمير اسم الجلالة تنويه بهذا المخلوق (4) ، حيث خصه الله تعالي بعنصر تشريف في تكوينه هو الروح الذي أضافه إلى نفسه تعريفا بشرفه وقدسيته (5) وقال القرطبي في معنى الآية: «أي من الروح الذي أملکه ولا يملكه غيري (6) وقال البيضاوي: أي «وأحييته بنفخ الروح فيه، وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته (7) وذكر الطبري: أن
(1) عبد المجيد النجار، قيمة الإنسان، مرجع سابق، ص 49 - 50
(2) سورة ص: الآيتان 71، 72.
(3) عبد المجيد النجار، قيمة الإنسان، مرجع سابق، ص 15 -
17 (4) محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية للنشرة
1984 م، ج 14 ص 44
(5) الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، ج 19 ص 228،
(6) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، القاهرة، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 25،
1387 ه. 1997 م، ج 15 ص 227
(7) البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 14081 ه.
1988 م، ج 2 ص 317