حينما قال: «إن منهجنا يبدأ من نقطة تصحيح مركز الإنسان في هذا الوجود، وتعيين مكانه و دوره، ووظيفته وحقوقه وواجباته (1) لذا من أجل تصحيح تصورنا هذا سأتناول موقع الإنسان وحياته والدور الموكل إليه في هذا الوجود.
المطلب الأول: رحلتي والتساؤلات الملحة (2) نادرة أن تأتي الفرصة المناسبة التي تجعلنا نخرج بأذهاننا ومخيلاتنا
(1) سيد قطب، الإسلام ومشكلات الحضارة، بيروت، دار الشروق، الطبعة السابعة،
102 ه. 1982 م، ص 179
(2) لقد عاينت تجربة شخصية بسيطة، لكنها مكنتني ولو لوقت يسير من الخروج بمخيلتي
من واقع التفصيلات الجزئية اللاهية إلى نظرة كلية نحو الكون والحياة، ولعله من الصعوبة بمكان نقل المشاعر والأفكار بعد حين من حدوثها، لكنني سأحاول مشاركتك بها مع كون ذلك ليس أمرا پسيرة لقد حدث يوما أن كنت في سفر في الطائرة عائدة من ولاية فلوريدا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت السماء زرقاء صافية كما هو معهود في تلك الولاية، كنت أجلس بجانب النافذة، وأنا في غاية التعب من مشاغل ذلك اليوم وما قبله، وكنت قلقة من كثرة المهام، أتفكر في مشاغل الغد وبعده، والأسبوع القادم والذي يليه، إنها سلسلة غير متناهية من المتاعب وكثرة المشاغل، وإذا بي أنظر من تلك النافذة إلى المطار المجهز بأحدث الأجهزة، وكذا طائراته المتنوعة ومدارجة المعقدة، ولم يمض وقت طويل وأنا أتفكر في مغريات الدنيا ومطالب الحياة حتى بدأت الطائرة بالإقلاع، على علو منخفض رأيت بيوت ضخمة فارهة، كل بيت يضم حديقة خضراء وبركة سباحة وأمام معظم البيوت سيارات فاخرة، با لها من بيوت جميلة! كل بيت يختلف في شكله وحجمه ولونه عن غيره، إنها افيلات، يتفنن في تصميم شكلها الخارجي وألوان سقفها وجنباتها، وذلك التناسق في الورود والشجيرات الصغيرة حول المنزل، وما هي سوى فترة سريعة حتى بدات الطائرة بالارتفاع، فأصبحت تلك البيوت تتضاءل في حجمها أمام ناظري، وتصغر أكثر فأكثر، وبدأت أفقد تلك النظرة الجزئية للبيت والحديقة والسيارة وبركة السباحة، فأصبحت أرى بيوت كثيرة متشابهة في الحجم والشكل واللون. وعندما ارتفعت الطائرة أكثر، غاب عني ذلك المنظر، وأصبحت أشاهد هضابة وجبالا وغايات كثيفة، ثم على ارتفاع 10 آلاف قدم أصبحت أرى في ذلك اليوم المشمس الخالي من الغيوم تجمعات سكنية يقطنها الإنسان بين تلك الغابات، هذه التجمعات هي قرى أو مدن، لم أكن أميز البيوت والمباني والمنشآت بشكل واضح، كلها تبدو كالمكعبات الصغيرة التي كنت ألعب بها في صغري، وكأنها -