إن قصة خلق الإنسان تشير إلى أن الله تعالى خلقه ليكرمه وليرفع قدره وليعلي منزلته في العالمين، فلقد تولى الله خلق آدم ببديه ونفخ فيه من روحه تشريفا له، وجعل خلقه الحدث العظيم في تاريخ الخلق، فأمر الملائكة بالسجود له إعظاما لقدره. فجاء خلقه بكل تلك الحفاوة والتكريم ليحمل رسالة ربانية هي خلافة الله في أرضه، ولكي يقوم بذلك فقد ذل الله الكون لخدمة الوجود الإنساني، فجعل ما فيه مسخرة له، وجعل جميع الموجودات موافقة لوجوده، كما خلق الله ستنة كونية مكنه من استيعابها بما أودعه الله من قوة عاقلة لبنتفع بها في مسيرة حياته.
وإن أساس استخلاف الله للإنسان العبودية له، وهي الإذعان لله والانقياد إليه والخضوع له ومحبته، وهي تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه حتى تصبح الحياة كلها محرابة لعبادة الله. والإنسان يستكمل إنسانيته بالعبودية لله وحده، ويسمو بقدر عبادته التي تحلق لأجلها، كما أنه ينسلخ من إنسانيته إذا ما رفضها. لذلك كانت عيرة الإنسان في سمو مقصده، فإذا كان مقصده مرضاة الله علا على ما سواه من الموجودات، وكان حقا سيد الخلق وسيد الكون، وهو يزداد قدرة كلما قصد في حركته الله، وإن من حصر همه في إشباع شهوة واتباع هوى، فقد هبط بذات الإنسان من إنسانيته التي ارتضاها الله له إلى بهيمية سائر الحيوانات.
ولا ريب أن ما يصيب البشرية اليوم سيبه أن هذا الإنسان الذي كرمه الله يعيش حياة الغفلة، ولا بد للخروج من هذه الغفلة من إعادة بناء كيانه ابتداء من الغاية من وجوده ودوره في الحياة ومركزه من الكون، لذلك يجب إعادة