ويستلذه، والغين أن يشتري بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المثل. فمن صخ بدنه، وتفرغ من الأشغال العائقة ولم يسع لصلاح آخرته فهو كالمغبون في البيع، والمقصود بيان أن غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ، بل يصرفونهما في غير محالهما، فيصير كل واحد منهما في حقهم وبالا، ولو أنهم صرفوا كل واحلي منهما في محله لكان خيرا لهم، أي خيره (1)
وعكس ذلك الغبن أن يغتنم الإنسان تلك النعمة، فيستثمر فرصة تسخير العمر ليسعد في الدنيا وينجو في الآخرة، عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك (2) .
واجب المسلم نحو وقته أن يدرك أولا أن وقته هو حياته، فيحفظه ويحصي كل ساعة منه، فيصرفها بعمل ينفعه في دينه ودنياه، ويحرص على عمارة أوقاته بالعمل الصالح لينجو يوم القيامة، حيث إن الفوز بالجنة سببه ما أسلف العبد في أيامه الخالية، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ(19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) (3) ، أي: بما قدمتم في أيام الدنيا (4) وقال الإمام النسفي: بما قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الخالية (5) . وقال الله تعالي
(1) عبد الفتاح أبو غدة، قيمة الزمن عند العلماء، مرجع سابق، الهامش، ص 22.
(2) رواه الحاكم، المستدرك على الصحيحين، حيدر آباد، دائرة المعارف العثمانية، ا (د. ت) ، ج 4 ص 309
(3) سورة الحاقة: الآيات 18 - 24.
(4) أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، بيروت، دار إحياء
التراث العربي، (د. ت) ، ج 18 ص 271
(5) النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دمشق، المكتبة الأموية، (د. ت) ، ج 3