فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 580

أ. الاصطفاء الوجودي:

لقد جاءت العقيدة الإسلامية معلية من شأن الوجود الإنساني، إذ جعلته وجود خالد، مما ميزه عن سائر المخلوقات، فلم تقصره على الوجود الفاني، بل جعلته وجودة باقية، وبشرته بالخلود في حياة أخرى تتلو هذه الحياة الدنيا، فالحياة الدنيا في العقيدة الإسلامية ليست إلا مرحلة من الوجود الإنساني، وهي المرحلة القصيرة المنقوصة، أما الوجود الحقيقي فهو في حياة أخرى بعدها ممئدة لا بطالها الفناء، ولكن الحياتين ليس بينهما انفصال، بل العلاقة بينهما قائمة، وهي علاقة الزرع الذي يكون في الحياة الدنيا بالحصاد الذي يكون في الحياة الأخرى، ومن ثمة فإن الموت الذي هو مصدر خوف وهلع ورعب عند من ينكر الحياة الأخرى يضحي في العقيدة الإسلامية سببة للكمال، إذ هو الطريق إلى الوجود الأخروي الكامل (1) كما بينه الراغب الأصبهاني في قوله: «الإنسان ما دام في دنياه جارية مجرى الفرخ في البيضة، فكما أن من كمال الفرخ نفلق البيض عنه وخروجه منه، كذلك من شرط كمال الإنسان مفارقة هيكله، ولولا هذا الموت لم يكمل الإنسان، فالموت إذن ضروري في كمال الإنسانية» (2)

يقول د. عبد المجيد النجار في كتابه «قيمة الإنسان» : «إن امتداد الحياة إلى ما بعد الموت شرف ?ص به الإنسان دون سائر الموجودات الكونية، وهو شرف يعكس ما أراد الله تعالى له من تکريم، فانتفاء العدم في حق الإنسان هو في ذاته تكريم له، لما في العدم من النقص، وما في الوجود من الكمال، ثم إنه دافع لا يضاهيه دافع إلى الاكتمال المادي باستثمار الكون، والروحي بتحصيل الفضيلة؛ فالإيمان بالخلود يفتح أبواب الأمل ويسد أبواب اليأس والقنوط، فيندفع الإنسان في الإنشاء الحضاري

(1) عبد المجيد النجار، فيمة الإنسان، الرباط، دار الزيتونة للنشر، الطبعة الأولى،

1417 ه. 1999 م، ص 48

(2) الراغب الأصبهاني، تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، مرجع سابق، ص 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت