وقال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا: إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه». وعن ابن عباس قال: إن أول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا، ثم خلق الله آدم فأسكنه إياها، فقاسوا هؤلاء بأولئك (1) بينما روى السدي عن بعض الصحابة أن الله أعلم الملائكة بما تفعله ذرية آدم، لذلك قالوا: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، فكان جواب رب العالمين: قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى، المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم (2)
ولقد أوكل الله إلى ذلك الإنسان عمارة الأرض، قال تعالى: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (3) أي هو الذي جعلكم غمارها وسكانها، حيث قال: أعمرته الأرض واستعمرته، إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها (4) يقول سيد قطب كه: «إذن فهي المشيئة العليا تريد أن تستم لهذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض، وتطلق فيها بده، ونكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز
(1) محمد علي الصابوني، مختصر تفسير ابن کثير، مرجع سابق، ج 1 ص 71
(2) المرجع السابق، ج 1 ص 71.
(3) سورة هود: الآية 11
(4) الألوسي، روح المعاني، مرجع سابق، ج 12 ص 88