روينا في"صحيح البُخاريّ"عن السائبِ بنِ يزيدَ: أنَّه قال: كان النداءُ يومَ الجُمُعَةِ إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ على عهدِ رَسولِ اللهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - ، وأبي بكرٍ، وعمر، فلما كانَ زمنُ عثمانَ، وكثرَ النَّاسُ، زادَ إليه الندا الثالثَ.
فإن قلتم: فإذا كانَ هذا وقتَ النداءِ الموجبِ للسعيِ، فيلزمُ ألاّ يجبَ السعيُ على منْ هوَ خارجَ البلدِ؛ إذ لا فائدةَ لسعيِه حينئذٍ؛ لفواتِ الصلاةِ عليهِ، ولا يجبُ السعيُ قبلَه لمفهومِ خطابِ الشرعِ.
قلنا: قد قالَ قومٌ بأنهُ لا يجبُ عليهِ السعيُ.
وقالَ الجمهورُ بوجوبه.
ثم اختلفَ هؤلاءِ:
فمنهم من قال: يجب عليهِ إذا كانَ بحيثُ لو انصرفَ من الجمعةِ يؤُويه الليلُ إلى أهلِه، وبِه قِالَ الأوزاعيُّ عن معاويةَ.
وروى ابنُ عمرَ أنَّه قال: إنَّما الغسلُ على من تجبُ عليهِ الجمعةُ، والجمعةُ على من يأتي أهلَهُ؛ أي: ليلاً.
واستدلُّوا بما رُوي:"الجُمُعَةُ على مَنْ آواهُ اللَّيْلُ إلى أَهْلِهِ"، أو كما قال.
والأثَرُ ضعيفٌ.
ومنهم مَنْ قالَ: تجبُ عليهِ إذا كانَ على ثلاثَةِ أميالٍ، واستدلُّوا بأنَّ أصحابَ العَوالي كانوا يأتونَ الجُمُعَةَ في زَمَنِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وذلكَ على ثلاثَةِ أميالٍ.
ومنهم من قال: تجبُ عليه إذا كانَ بحيثُ يسمعُ النِّداءَ، واستدلُّوا بما
رُوي عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ: أنَّه قال:"إنَّما تجبُ الجُمُعَةُ عَلى مَنْ سَمِعَ النداءَ، فمن سمعَهُ، فلم يأتِه، فقد عَصى رَبَّهُ"ورويَ عنهُ مرفوعاً إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"الجُمُعَةُ عَلى مَنْ يَسْمَعُ النِّداءَ".
وبالأخير قال الشافعيُّ.
وعن مالكٍ قولانِ كالأخيرينِ.
* ومفهومُ الخِطاب يقتضي أنَّه لا يَجِبُ السعيُ قبلَ النِّداءِ، وإذا لم يَجِبِ السعيُ، جازَ له أن يعملَ بما يُناقِضُ السَّعْيَ ويُبْطِلهُ مثلَ السفرِ إلى مَوْضِعٍ لا جُمُعَةَ فيه.
وبهذا قالَ الشافعيُّ في أحدِ قولَيه، وهو مذهبُ عمرَ - رضي الله تعالى عنه - رُويَ عنهُ أنَّه أبصرَ رَجُلاً عليهِ أُهْبَةُ السفرِ يقولُ: لولا أنَّ اليومَ يومُ جُمعةٍ، لخرجتُ، فقال: اخرجْ؛ فإن الجمعةَ لا تحبِسُ عن سَفَرٍ.
وروى الزهريُّ مُرْسَلاً: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرجَ لسفرٍ يومَ الجمعةِ منْ أولِ النهار.