إليه. وأن طريقة اعتماد المعرَّبات قد سبقنا إليها أهل العصور الإسلامية السابقة، ولاسيما العصر العباسي، في زمن المأمون حين بغتتهم الحضارة بمثل ما بغتتنا، فانبرى علماؤهم وفلاسفتهم يعربون من غير نكير عليهم من أئمة الدين واللغة في زمانهم، وجاء من بعدهم من سار على نهجهم كابن سينا والرازي والبيروني والفارابي وابن البيطار وغيرهم. [1]
وعليه اقترح هؤلاء اللجوء إلى البديل المتمثل في اللغات الأوروبية ولا سيما الإنكليزية والفرنسية، لأن المعربات - برأيهم- تتوافر فيها صفات المعاصرة، والقدرة على مواكبة التقانات الحديثة والنظريات العلمية [2] ، وبأن المصطلح المعرَّب أقرب في الدلالة إلى المفهوم المقصود وأكثر وفاء بأغراض التعبير من الترجمة [3] . ورأوا أن الألفاظ المعربة لا تضر ببنية اللغة، وهي مصطلحات علمية عامة تكاد تكون مشتركة بين العلماء والباحثين والمخترعين في مختلف البلاد المتحضرة [4] . والعرب جزء من"العالمية"التي ينبغي أن تواكب الحضارة المعاصرة. وأن المعرب لا يستهلك الوقت لإيجاد المقابل المناسب كما في الطرائق المصطلحية الأخرى من توليد واشتقاق.
وحجة القائلين بالتعريب أن اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية في العصر الحديث محشوة بالألفاظ العلمية العصرية ذات أصل يوناني أو لاتيني، ولم تعدّ ذلك عيبًا وعارًا عليها، بل عدتها فخرًا تعتز به، على عكس العربية التي وضعت مقابلات عربية لها لزيادة التعقيد [5] . غير أنه لابد من الإشارة إلى"أن الألمان قبل الحرب العالمية الثانية (في أثناء الحكم النازي) لم يبقوا الألفاظ الأصلية، بل وضعوا لها ألفاظًا ألمانية تعبر عنها، وهذا منهج مجمع القاهرة" [6] .
ولابد هنا من توضيح خلفيات هذه التجارب الأوروبية، فالاتجاه الألماني الذي تبنى منهج وضع ألفاظ ألمانية مقابل المصطلحات الجديدة، جاء متأثرًا بالعصبية القومية السائدة في ألمانية آنذاك. أما المواقف الأوروبية التي فضّلت الاستعانة بالألفاظ اليونانية واللاتينية، فجاءت متأثرة بالمناهج التي سادت في أوروبة من مذاهب كلاسيكية وتاريخية اللتين دعتا إلى إحياء التراث اليوناني واللاتيني لإغناء اللغة العلمية والحضارية الحديثة، ذلك أن معظم اللغات الأوروبية تنتمي إلى المجموعة اللغوية نفسها، اللغات الهندو الأوروبية، غير أن العربية لا تنتمي إلى هذه المجموعة اللغوية، لكي تعتمد على التراث اليوناني واللاتيني لإحياء اللغة العربية، في حال أرادت تطبيق المنهج التاريخي، فمثل هذه الانتقادات والاستشهادات تنمّ عن خلط في الأمور، وعدم وعي لخلفيات هذه المناهج وطبيعتها. فلا بد من التنبه إلى ضرورة وعي هذه الخلفيات حفاظًا على خصوصية كل لغة وظروفها.
(1) - ينظر: حسن، عباس. اللغة والنحو بين القديم والحديث، ص 227، وما يليها.
(2) - فيصل، سمر روحي. المرجع نفسه، ص 85.
(3) - كمال، بشر. دراسات في علم اللغة، 312.
(4) - عباس، حسن. اللغة والنحو بين القديم والحديث. ص 234.
(5) - ينظر: صادر، حبيب. اللسان العربي، في"لغتنا في خدمة الطب والعلم"، 5/ 205.
(6) - حجازي. اللغة العربية في العصر الحديث، ص 68.