ويؤكد ذلك ما ذكره في كتابه الآخر [1] ، وقد أشار المتأخرون إلى هذا التردد كالرازي الذي رأى أنها مجاز لغوي [2] ، والسكاكي الذي أنكر المجاز العقلي، وسلكه في الاستعارة المكنية [3] ، أي مجاز لغوي كله. والاستعارة من أوائل فنون التعبير الجميلة في اللغة العربية، ولعل أبا عمرو بن العلاء كان من أقدم الذين ذكروها.
-ومن المعجمات المتأثرة بالمنهج التاريخي (المعجم الفلسفي) لمجمع اللغة العربية في القاهرة [4] ، الذي حاول توثيق المصادر المعتمدة في الشرح، واعتمد في الشرح على عرض الأفكار الأساسية، والإشارة إلى أهم الآراء والمذاهب، من دون دخول في التفاصيل الدقيقة، أو الوقوف عند الخلافات المدرسية ووجهات النظر المتباينة, واكتفى بذكر بعض النصوص في غير توسع، ويشير إلى بعض المصادر.
من أمثلة هذا المعجم: (مصطلح(إدراك حسي) Perception (f) , Perception (E) : سيكولوجية: معرفة مباشرة للأشياء عن طريق الحواس. قال الجرجاني:"الإدراك هو حصول الصورة عند النفس الناطقة" (التعريفات) . ومن الإدراكات ما لايدخل في نطاق الشعور، وهو عند ليبنتز"الإدراكات الصغيرة". .... )
فيلاحظ من هذا التعريف أنه يقدم تعريفًا مقتضبًا، ويحاول أن يتتبع التعريفات المختلفة على مر العصور، كما أنه يوثق المصدر الذي اعتمده. وجاء هذا الاقتضاب لأن مؤلف المعجم صرّح في المقدمة أنه لا يسعى إلى أن يعدّ موسوعيًا يستقصي البحث ويستوفي الشرح والبيان، ولا أن يعد معجمًا تاريخيًا يتتبع الفكرة منذ نشأتها، ويعرض لما ألم بها من تعديل وتغيير في شتى المذاهب والعصور.
و (المعجم الفلسفي) لمجمع القاهرة يختلف عن (الموسوعة الفلسفية العربية) لمعهد الإنماء العربي [5] : إذ أراد المعهد أن يضع عملًا موسوعيًا، كما هو واضح من العنوان، فجاءت شروح الموسوعة أكثر اتساعًا من المعجم السابق. فمن أمثلة هذه الشروح، مصطلح"الاحتمال"إذ يُعرف مفهومه اعتمادًا على القضايا أو الصفات، من خلال الأقسام التالية، استقرائي وابستيمي ووصفي ورياضي، ويختم التعريف بذكر المصادر والمراجع المعتمدة، كما يوضع في النهاية اسم المؤلف الذي وضع التعريف المعتمد في الموسوعة، وكأننا أمام أبحاث في الفلسفة، وليس أمام موسوعة التي عادة ما تكتفي بذكر أهم المبادئ أو الأسس أو الأقسام، من دون دخول في تفاصيل الخلافات. من ذلك، (مصطلح إدراك -حسي) Perception, Perception, Empfindung-Wahrnehmung: الذي يُصنف في ثلاثة اتجاهات، مع الإشارة إلى التحفظ على نسبة التعسف الذي يتضمنه كل تصنيف فلسفي، وهو:1 - الاتجاه التجريدي - البعدي 2 - الاتجاه الفطري- القبلي 3 - الاتجاه النقدي. وكان يُفضل إظهار السمة الموسوعية في تنوع المواد وليس في إطالة الشرح، إذ إن مواد الموسوعة قليلة وشروحها طويلة. كما يلاحظ من هذين التعريفين للمصطلح نفسه اختلاف مفهومه وتقسيماته
(1) - أي أسرار البلاغة ص 29
(2) - نهاية الإيجاز ص 84
(3) - مفتاح العلوم ص 89
(4) - الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983.