وهناك النظرية التحليلية التي تقوم على أساس مجموعة كلمات ترتبط دلالتها، وتوضع تحت لفظ عام يجمعها، فمبدؤها التقابل، فالكلمة لا تتحدد قيمتها الدلالية في نفسها، بل تتحدد في موقعها داخل المجال الدلالي. فلكي يتبين معنى كل كلمة، وعلاقة كل منها بالأخرى، يقوم الباحث باستخلاص أهم الملامح التي تجمع كلمات الحقل من ناحية، وتميز بين أفراده من ناحية أخرى [1] . كما تقوم هذه النظرية على أساس تشذير كل معنى من معاني الكلمات إلى سلسلة من العناصر الأولية مرتبة بطريقة تسمح لها بأن تتقدم من العام إلى الخاص، وكل معنى للكلمة يحدد عن طريق تتبع الخط من"المحدد النحوي"إلى"المحدد الدلالي"إلى"المميز" [2] .
يضاف إلى هذه النظريات نظرية الحقول الدلالية التي ردّت العمل المعجمي إلى مجال علم اللغة، لأنها أعطت مفردات اللغة شكلًا تركيبيًا يستمد كل عنصر فيه قيمته من مركزه داخل النظام العام، ووضعت المفردات في شكل تجمعي تركيبي ينفي عنها التسيب المزعوم [3] .
وقد أغنت نظريات الحقول الدلالية والتحليلية والسياقية المصادر المصطلحية ونظمتها على المستوى التطبيقي، ولاسيما ما يخصّ المشكلات الدلالية وأنواعها من ترادف ومشترك لفظي وتعدد المعنى، من خلال الإفادة من مبادئها التحليلية، باستخلاص أهم الملامح التي تجمع كلمات الحقل من ناحية، وتميز بين أفراده من ناحية أخرى.
ثم جاءت المدرسة التوليديّة التي اهتمت أولًا بالنحو وقضاياه، ثم خصصت عنايتها بقضية التعريف بالمعجم - مستفيدة من بعض أسس المنهج التحليلي - فركزته على ثلاثة عناصر: النطقيات (الصوتيات) ، والنحو، والدلالة [4] . وقد حاول تشومسكي - أحد مؤسسي هذه النظرية- إحياء بعض المفاهيم التقليدية العائدة إلى القواعد الفلسفية، أو الألسنية الديكارتية كما يدعوها, فأشار تشومسكي إلى المغالطة التي يقع فيها الألسنيون البنيويون عندما أبعدوا بدافع من تصورهم اعتماد المنهجية العلمية الموضوعية عن المبادئ الفلسفية المتأثرة بفكر ديكارت [5] . فاستند التوليديون إلى فلسفة ديكارت العقلية. وأضافوا إلى هذا المبدأ أشياء أخرى تتلاءم مع نظريتهم اللغوية، ففيما يتعلق بالعلاقة بين اللغة والفكر (أو العقل) أيهما يتحكم بالآخر، اعتمدت النظرية التوليدية توجيه الفكر للغة ولاسيما في البنية العميقة، وذهبت فرضيات أخرى إلى الضد من ذلك منها فرضية وورف Whorf [6] .
(1) - عمر، أحمد مختار. علم الدلالة ص 121.
(2) - عمر، أحمد مختار. المرجع نفسه. ص 114، وما يليها.
(3) - عمر، أحمد مختار. صناعة المعجم الحديث، عالم الكتب، مصر، 1988، ص 30.
(4) - الحمزاوي من قضايا المعجم العربي، دار الغرب الإسلامي، تونس، 1986، ج 53، ص 262.
(5) - زكريا، ميشال. الألسنية، ص 266
(6) - زوين، علي. منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1986.، ص 43.