(1) اختلف أهل العلم في سنّ التمييز، هل له حدّ معين، أو لا؟
فمنهم من قيّده بأربع سنين، أو خمس سنين.
قال القاضي عياض في"الإلماع" (ص 62) : (( وقد حدّد أهلُ الصّنعة في ذلك أنّ أقلّه سنُّ محمود بن الرّبيع ) ).
ثم أخرج حديثه وفيه قوله: (( عَقَلْتُ من النّبي - صلى الله عليه وسلم - مجّةً مجّها في وَجْهي وأنا ابنُ خمس سنين من دلو ) )، قال: (( وفي غير هذه الرّواية: (( وهو ابنُ أربعِ سنين ) ).
قلت: ورواية (( ابن خمس سنين ) )في صحيح البخاري 1/ 44 (76) ، وقد بوّب له بقوله: (( متى يصح سماع الصّغير؟ ) ).
وهذا الذي جرى عليه عملُ المتأخرين، قال ابن الصّلاح في"علوم الحديث" (ص 315) : (( التحديدُ بخمسٍ هو الذي استقرّ عليه عملُ أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمسٍ فصاعدًا: (( سَمِع ) )، ولمن لم يبلغ خمسًا: (( حَضَر ) )، أو (( أُحضِر ) ).
وذهب آخرون أنّه لا حدّ لذلك، بل متى عَقَل وضَبط فهو مميِّز، وصحّ سماعُه، وهو قول الإمام أحمد، كما في مسائله برواية ابنه عبد الله (1876) ، ورواه من طريقه الخطيب البغدادي في"الكفاية"1/ 221 (144) .
وإليه مال القاضي عياض في"الإلماع" (ص 64) حيث قال: (( ولعلّهم إنّما رأوا أنّ هذا السّن(يعني ابن خمس) أقلّ ما يحصل به الضّبطُ، وعَقْلُ ما يسمع، وحِفْظُه، وإلاّ فمرجُوعُ ذلك للعادة، وربّ بليد الطّبع غبيّ الفطرة لا يضبط شيئًا فوق هذا السّن، ونبيل الجِبِلّة ذكيُّ القريحة يعقل دون هذا السِّن )).
ورجّحه ابن الصّلاح في"علوم الحديث" (ص 315) فقال: (( والذي ينبغي في ذلك أن نعتبر في كلّ صغير حالَه على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال مَنْ لا يَعقل فهمًا للخطاب، وردًّا للجواب، ونحو ذلك، صحّحنا سماعَه وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم نصحّح سماعَه وإن كان ابنَ خمسٍ، بل ابن خمسين ...
وأمّا حديث محمود بن الرّبيع، فيدلّ على صحّة ذلك من ابن خمسٍ مثل محمود، ولا يدلّ على انتفاء الصّحة فيمن لم يكن ابن خمسٍ، ولا على الصّحة فيمن كان ابن خمسٍ ولم يميِّز تمييزَ محمود رضي الله عنه )) .
وهو ما رجّحه أيضًا النووي في"التقريب"ـ كما في تدريب الرّاوي 2/ 7 ـ، ونسبه في"المجموع شرح المهذّب 4/ 216 (صفة الأئمة ـ يعني الإمام في الصّلاة، واشتراط التمييز فيه) للمحقّقين، فقال: (( والتمييز يختلف وقتُه، فمنهم من يحصل له من سبع سنين، ومنهم من يحصل له قبلها، ومنهم من لا يميِّز وإنْ بلغ سبعًا، وعشرًا، وأكثر."
وأمّا ضبط أكثر المحدّثين وقت صحة سماع الصّبي وتمييزه بخمس سنين فقد ذكره (كذا وفي نكت الزركشي 3/ 468 نقلًا عنه: فأنكره) المحقِّقون، وقالوا: الصّواب يعتبر كلّ صبي بنفسه، فقد يميِّز لدون خمسٍ، وقد يتجاوز الخمس ولا يميِّز )) ، واختاره العراقي في"شرح الألفية"2/ 20 ـ 21، وابن حجر في"فتح الباري"1/ 173.
وفي المسألة أقوال أخرى تراجع في:"النّكت"للزركشي 3/ 464 ـ 71، و"فتح المغيث"للسّخاوي 2/ 141 ـ 150.