الصّحابة على سبيل الوهم والغلط.
إلاّ أنّ بعض الرّواة قد اختلف الأئمّةُ فيهم، فمنهم من أثبت صحبتهم، ومنهم من نفاها عنهم، بل ربما اختلف اجتهادُ الإمامِ الواحد في ذلك؛ فقام بعضُ الحفّاظ بإفرادهم في مصنّفات كالحافظ علاء الدّين مُغَلْطَايْ رحمه الله في كتابه"الإنابة إلى معرفة المختلفِ فيهم من الصّحابة".
هذا وقد لفت نظري ـ في أثناء مراجعةِ كتاب"تقريب التهذيب"ـ قولُ الحافظِ ابنِ حجر العسقلانيّ رحمه الله في عدد من التراجم: (( مختلف في صحبته ) )وكثيرًا ما يرجّح إمّا تصريحًا وإمّا تلميحًا، وربما لم يزدْ على ذلك ولا يرجّح شيئًا، فتشوّفت النّفسُ إلى معرفة هؤلاء المختلف فيهم وعددِهم، وسببِ اختلاف العلماء فيهم، وأدلتِهم، فجعلت أتتبعُ كلامَ الحافظِ ابنِ حجر وغيرِه من أهل العلم في الذين لهم رواية في الكتب الستة فاجتمع عندي عددٌ لا بأس به، فكان ذلك حافزًا قويًّا في دراسة هؤلاء المختلف فيهم بغيةَ الوصول إلى معرفة القول الرّاجح من المرجوح، ثم بعد الاستشارةِ والاستخارة أَزْمعتُ على تقديمه في أطروحة الدّكتوراه، مع علمي بوُعُورَة مسائله، ودقّة مسالكه، ومع اعترافي بقلّةِ البضاعة، وقصورٍٍ في الصّناعة، والله المستعان وعليه التّكلان.
وإنّ أهم الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع ما يلي:
أولًا: أهمية الموضوع من حيث تعلقُه بالحكم على الرّواة من حيث العدالة، فمن ثبتت صحبتُه كان عدلًا، ومن لم تثبت صحبتُه احتِيج إلى تعديله.
كما أنّ له تعلّقًا أيضًا بالحكم على الأحاديث من حيث الاتصال والإرسال.
ثانيًا: وجود تراجم كثيرة من رواة الحديث في كتب الرّجال ممن قيل فيه: (( مختلف في صحبته ) )من غير ترجيح، فأردت دراسة ممن لهم رواية في الكتب الستة ـ لشهرتها وكثرة تداولها ـ بغية الوصول إلى نتيجة علمية في إثبات الصّحبة أو نفيها.
ثالثًا: رغبتي في معرفة مناهج بعض الأئمة ـ ممن ألّف في الصّحابة وطبقاتهم ـ في طرق إثباتهم الصّحبة أو نفيها وشروطهم، وضوابطهم، ومصطلحاتهم في ذلك.