سيرهم وأخبارهم في مؤلفات، فمنهم من رتّب أسماءهم وكناهم على الحروف، ومنهم من جعلهم على طبقات وصنّفهم على شتى الضّروب والصّنوف، ولهم في ذلك مقاصدُ جليلة، وأغراضٌ نبيلة.
ولمّا كان شأن الصّحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ في الدّين بهذه المكانة، وشَأْوُهم في الإسلام بهذه المنزلة، انبرى علماءُ الحديث ونقّادُه إلى تبيين زيف مُدّعي هذه الصّحبة الجليلة ممَّن هو في منأى عنها، ففضحوا أمرهم، وكشفوا عوَارهم، فألّف الحافظ ابن ناصر الدّين الدّمشقيّ رحمه الله كتابًا أسماه:"كشف القناع عن حال من افترى الصّحبة أو الاتباع".
ولم تتوقف جهودُ هؤلاء الأئمّة على ذلك بل ميّزوا بين من نال شَرَفَ الصُّحبة وبين من لم يحظَ بها ممن أدرك عصرَ النّبوةِ أو من جاء بعدهم وإنّما ذُكر فيهم على سبيل السّهو والوَهَل، وأُلحق بهم على جهة الغلط والزَّلَل، كما وقع ذلك لبعض المحدثين قال الحاكم أبو عبد الله رحمه الله: (( قد رأيتُ جماعةً من مشايخنا يروون الحديثَ المرسلَ عن تابعيٍّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوهّمونه صحابيًّا، وربما رووا المسندَ عن صحابيٍّ فيتوهّمونه تابعيًّا ) ).
ولمّا كان هذا الوهم يترتب عليه تعديلُ التّابعيِّ الذي توهّموه صحابيًّا؛
ـ لأنّ الصّحابة رضي الله عنهم كلّهم عدول ـ أو تجهيلُ الصّحابيِّ الذي توهّموه تابعيًّا؛ قام أئمّة الحديث ببيان ذلك وتمييزه؛ فوضعوا لذلك كتبًا في المراسيل كما صنع الإمامان أبو داود السّجستانيّ، وابن أبي حاتم الرّازيّ، والحافظان صلاح الدّين العلائيّ، وأبو زرعة العراقيّ رحمهم الله تعالى.
ومنهم من نبّه على ذلك في أثناءِ تراجمِهم، كما فعل الحافظُ أبو عبد الله الذّهبي
رحمه الله في كتابه"تجريد أسماء الصّحابة"فقال في خطبته: (( والاسم منهم(يعني من الصّحابة) مُخضرٌ، ومن حُمِّر اسمُه فهو تابعيٌّ وخبرُه مرسلٌ، ومن ضُبِّبَ عليه بحُمرةٍ فهو غَلَط )).
ومنهم مَن ميّزهم من غيرهم كما فعل الحافظ ابن حجر العسقلانيّ رحمه الله في كتابه"الإصابة في تمييز الصّحابة"حيث جعله في أربعة أقسام: القسم الأوّل ـ فيمن وردت صحبتُه بطريق الرّواية عنه أو عن غيره، والقسم الثاني: فيمن ذُكر في الصّحابة من الأطفال الذين وُلدوا على عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم -، والثالث: في المخضرمين، والرّابع: فيمن ذُكر في كتب