قال الحافظ ابن حجر: (( وقد تتبعتُ روايات الصّحابة رضي الله عنهم عن التابعين، وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت، فهذا يدل على ندور أخذهم عمن يُضعَّف من التابعين ) ) [1] .
وقد تتبّع أهلُ العلم ما رواه الصّحابة عن التّابعين فلم يجدوا إلاّ أحاديث قليلة نادرة [2] . قال الخطيب البغدادي: (( الظّاهر فيما أرسله الصّحابي ولم يبيّن السّماع فيه إنّه سمعه من النّبي - صلى الله عليه وسلم -، أو من صحابي سمعه عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمّا من روى منهم عن غير الصّحابة فقد بيّن في روايته ممن سمعه، وهو أيضًا قليل نادر، فلا اعتبار به، وهذا هو الأشبه بالصّواب عندنا ) ) [3] .
ثم هي مع نُدْرتها فإنّ غالبها ليست أحاديث مرفوعة، وإنّما هي موقوفات، وإسرائيليات، وحكايات [4] .
وأمّا حكاه الحافظ العراقي عن الخطيب وغيره أنّ رواية الصّحابة عن التابعين: (( بلغوا جمعًا كثيرًا ) )فغير مسلّم، بل يَنْقُضُه تصريحُ الخطيب نفسِه بأنّ أحاديثهم قليلة، كما سبق.
وقد صرّح الحافظ البلقينيّ أنّ عددهم بلغ ثلاثة وعشرين صحابيًّا [5] .
وممّا يؤكد هذا أنّ الحافظ ابن حجر قد اختصر كتاب الخطيب، فبلغت أحاديثه المرفوعة خمسة وعشرين حديثًا، كما سبقت الإشارة إليه قريبًا.
وقد ذكر الحافظ العراقيّ للفائدة عشرين حديثًا من رواية الصّحابة عن التابعين مرفوعة [6] ، ومنها ما لا يصح، وما صحّ منها فهو من مسانيد الصّحابة، من ذلك ـ وهو أوّل حديث ـ ما أخرجه البخاريّ، والترمذيّ، وغيرهما، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أنّه قال: (( رأيتُ مروان بن الحكم جالسًا في المسجد فأقبلتُ حتى جلستُ إلى جنبه، فأخبرنا
(1) النكت 2/ 570.
(2) انظر: السّنن الأبين (ص 120 ـ 121) ، والنكت للزركشي 1/ 508، والنكت لابن حجر 2/ 570.
(3) الكفاية 2/ 436.
(4) انظر: التقييد والإيضاح (ص 59) ، وفتح المغيث 1/ 179، وتدريب الرّاويّ 1/ 179.
(5) محاسن الاصطلاح ـ بحاشية: مقدمة ابن الصّلاح (ص 211) .
(6) انظر: التقييد والإيضاح (ص 60 ـ 63) .