أنّ زيد بن ثابت أخبره أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أملى عليّ {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} ... )) الحديث، وفي آخره: (( فأنزل الله عزّ وجلّ: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] ) ) [1] .
قال أبو عيسى الترمذيّ: (( وفي هذا الحديث روايةُ رجل من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - عن رجل من التابعين، رواه سهل بن سعد الأنصاريّ عن مروان بن الحكم، ومروان لم يسمع من النّبي - صلى الله عليه وسلم - وهو من التابعين ) ).
وممّا يدلّ على أنّ الصّحابة لم يسمعوا كلَّ ما حدّثوا به، وإنّما من الحديث ما سمعوه من النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنه ما سمعوه من بعضهم:
ما جاء في"الصّحيحين"عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: (( كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أُميّة بن زيد ـ وهي من عوالي المدينة ـ، وكُنّا نتناوب النّزولَ على
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزلُ يومًا وأنزلُ يومًا، فإذا نزلتُ جئتُه بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ... )) [2] .
قال الحافظ ابن حجر: (( في هذا الحديث الاعتماد على خبر الواحد، والعمل بمراسيل الصّحابة ) ) [3] .
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: (( ما كلُّ الحديث سمعناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يحدّثُنا أصحابُنا عنه، كانت تشغلنا عنه رِعيةُ الإبل ) ) [4] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه حدّث بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجل: أنت سمعتَه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فغضب غضًا شديدًا، وقال: (( واللهِ ما كلُّ ما نحدّثكم به
(1) انظر: صحيح البخاري 2/ 314 ـ 315 (2832) ، وجامع الترمذي 5/ 226 (3033) .
فصارت الآية: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} .
(2) انظر: صحيح البخاري 1/ 49 (89) ، وصحيح مسلم 2/ 1112 (1479: 34) ، اللّفظ للبخاري، وهو عند مسلم بتمامه في قصة هجر النّبي - صلى الله عليه وسلم - زوجاته شهرًا.
(3) فتح الباري 1/ 186.
(4) أخرجه أحمد في"المسند"4/ 283، والحاكم في"المستدرك"1/ 95، وقال صحيح على شرط الشيخين، والخطيب في"الكفاية"2/ 437 (1210) .