والظّاهر أنّ الحافظ رحمه الله إنّما اقتصر على حديث الحاكم؛ لأنّه أصرح في الدّلالة، وأبلغ في المقصود بخلاف قوله: (( كان النّبي - صلى الله عليه وسلم - ... ) )؛ لأنّ فعل (( كان ) )بمجرده لا يقتضي التَّكرار، والاستمرار عند أكثر أهل العلم [1] .
فإذا كان كذلك فلا يستفاد من الحديث استمرار جميع الصّحابة على إحضار صبيانهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دومًا وأبدًا، نعم يستفاد منه المبالغة في إثبات ذلك الفعل ولاسيّما مع أبناء المهاجرين والأنصار، ومن كان بالمدينة ونواحيها؛ لقيام المقتضي، وتوفر الدّاعي لذلك، وهو التماس بركة النّبي - صلى الله عليه وسلم - بتحنيكهم، وتسميتهم، ودعائه لهم، والله أعلم.
ثالثًا: أمّا بالنسبة للضابط الثّالث: وهو أنّه لم يبق بمكّة والطّائف أحدٌ سنة عشرٍ إلاّ أسلم، وشهد حجّة الوداع.
(1) قال الإمام النووي رحمه الله في"شرح صحيح مسلم"6/ 21: (( إنّ المختار الذي عليه الأكثرون والمحقّقون من الأصوليين أنّ لفظة(كان) لا يلزم منها الدّوام ولا التَّكرار، وإنّما هي فعل ماض يدلّ على وقوعه مرّة، فإن دلّ دليل على التّكرار عُمل به، وإلاّ فلا تقتضيه بوضعها، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (( كنتُ أطيّبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لحِلّه قبل أن يطوف ) )، ومعلوم أنّه - صلى الله عليه وسلم - لم يحجّ بعد أن صحبته عائشةُ إلاّ حجّة واحدة، وهي حجّة الوداع، فاستعملت (كان) في مرّة واحدة ... )) . وانظر: فتح الباري 3/ 398.