بسم الله الرحمن الرّحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله الواحدُ القهّار، العزيزُ الغفّار، وأشهد أنّ محمّدًا عبدُه ورسولُه النّبيُّ المختار، وإمامُ المتقين الأبرار، صلّى اللهُ عليه وعلى آله الطيّبين الأطهار، وصحبه الكرام الأخيار، والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم دار القرار، وسلّم تسليمًا كثيرًا ما اختلف اللّيل والنّهار.
أمّا بعد؛ فإنّه ممّا لا يسع طالبَ العلم جهلُه مكانة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام، ومنزلتهم بين الأنام، الذين اصطفاهم الله عزّ وجل واختارهم لصحبة نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فآمنوا به واتبعوه وعزّروه، وآووه ونصروه، وهاجروا معه وإليه، وقاتلوا على دِينه بين يديه؛ وبذلوا في سبيل ذلك النّفس والنفيس، وآثروا ما عند الله على الفاني الخسيس، فلمّا توفّى الله تعالى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - حملوا بعده رايةَ الإسلام ونشروه في أنحاء المعمورة باللّسان والسّنان، ونقلوا شريعة الله إلى من بعدهم كما تلقوها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة ولا نقصان؛ ابتغاءَ مرضاةِ ربّهم عزّ وجلّ، وامتثالًا لأمر نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (( بلّغوا عَنّي وَلَو آية ) ) [1] ، وقولِه: (( ألا لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغَائِب ) ) [2] ، فهم حرّاسُ العقيدةِ وحُماتُها، وحفّاظ ُالشّريعةِ ونقلتُها، فمن طعن فيهم فقد طعن في الملّة؛ لأنّهم هم الواسطة بين النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبين الأمّة؛ إذْ لم تُعرف آيةٌ إلاّ من طريقهم، ولم تحفظ سنّةٌ إلا من جهتهم، ولست في هذه العُجالة بصدد تَعْدَادِ عظيم محاسنِهم؛ وإِحْصاءِ جَميلِ مَمادِحهم، بل يكفيهم شرفًا وفخرًا أن يكون اللهُ جلّ وعلا قد نوّه بمَحَامِدِهم، وأشاد بمَآثرِهم، في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - في آياتٍ تُتلى وأحاديثَ تُرْوى، وقد جمع أئمّةُ الإسلام فضائِلَهم ومناقبهم في مصنّفات، ودوّنوا
(1) أخرجه البخاريّ 2/ 493 (3461) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاريّ 1/ 41 (67) ، ومسلم 3/ 1305 ـ 1036 (1679) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.