وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل:
في المراد بمن له رؤية
سبق في المبحث الأوّل عند تعريف الصّحابيّ من حيث الاصطلاح أنّ الذي عليه جماهير المحدّثين أنّ الصّحبة تثبت بمطلق الرّؤية، غير أنّهم في كتب التراجم يطلقون على بعضهم بأنّ له رؤية، أو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربما نفي بعضُهم صحبته، فما المراد بهذه الرؤية؟.
فإنّ المتأمّل في كلام أهل العلم يجد أنّهم يطلقون ذلك على صنفين من التراجم:
أ ـ الصّنف الأوّل: هم أولاد الصّحابة الذين وُلدوا في آخر حياة النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبض
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم دون سنّ التّمييز، كمحمّد بن أبي بكر الصّديق [1] .
وهؤلاء تنازع أهل العلم في إلحاقهم بالصّحابة، أو عدّهم في كبار التابعين، على ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: أنّهم معدودن في كبار التابعين؛ لأنّ التّمييز شرط في اعتبار الصّحبة.
قال الحافظ العراقيّ: (( فأمّا التمييز فظاهر كلامهم اشتراطه، كما هو موجود في كلام يحيى بن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البر، وغيرهم ـ وهم جماعة أُتي بهم النّبي - صلى الله عليه وسلم - وهم أطفال فحنّكهم ومسح وجوههم أو تفل في أفواههم فلم يثبتوا لهم صحبة [2] ... ) ) [3] .
(1) فإنّه وُلد في حجّة الوداع بذي الحليفة لأربع بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة للهجرة، وقبض النّبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر ربيع الأوّل، فلم يدرك من حياة النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلاّ ثلاثة أشهر وأيام. كما دل على ذلك حديث جابر في حجّة الوداع، أخرجه مسلمٌ في"صحيحه"2/ 886 (1218) بطوله.
(2) وقد مثّل لذلك ببعض من كان مميّزًا كمحمود بن الرّبيع، ومحمّد بن حاطب بن أبي بلتعة وغيرهما، وإنّما البحث في غير المميِّز، وأمّا الذين بلغوا سنّ التمييز فسيأتي بحثهم في الصّنف الثّاني ممن له رؤية.
(3) التقييد والإيضاح (ص 252 ـ 253) .