رواية أصلًا [1] ، فضلًا عمّن توفي في حياة النّبي - صلى الله عليه وسلم - في المغازي ونحو ذلك.
فليست العلاقة بين الصّحبة، وصحة الحديث طرديّة.
ربما أثبتوا الصّحبة لمن لم يصحّ السّند إليه؛ والسّبب في ذلك أنّ صحبته صحت عندهم من وجه آخر.
كقول الحافظ ابن عبد البر في ترجمة (عبد الله بن حنطب المخزوميّ) : (( له صحبة ... ، وحديثه مضطرب لا يثبت ) ) [2] .
والإمام البخاريّ كثيرًا ما يفعل ذلك في"تاريخه الكبير"، كقوله في ترجمة (عمارة بن أوس) : (( له صحبة، حديثه ليس بقائم الإسناد ) ) [3] .
(1) فقد روى أبو موسى المديني في"ذيل على معرفة الصّحابة لابن منده"بسنده عن أبي زرعة الرّازيّ أنّه قال: (( توفي النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، وكلٌّ قد روى عنه سماعًا أو رؤية ) ). انظر: التقييد والإيضاح (ص 264) .
قال ابن فَتْحُون في"ذيل الاستيعاب"بعد أن ذكر ذلك ـ كما في الإصابة 1/ 3 ـ: (( أجاب أبو زرعة بهذا سؤالٌ من سأله عن الرُّواة خاصّة، فكيف بغيرهم؟! ) ).
قال الحافظ الذّهبي في مقدمة"التجريد"ـ بعد أن نقل عن أبي زرعة ذلك ـ: (( قال الحاكم روى عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة ألاف نفس. قلت: بل لعلّ الرّواية(كذا ولعل الصواب: الرّواة) عنه نحو ألفٍ وخمسِمائة نفسٍٍ بالغون ألفين أبدًا )).
قلت: وقد قام شيخنا الدّكتور أكرم العمريّ في كتابه"بحوث في تاريخ السّنة" (ص 384) بإحصائية لعدد الرّواة في مسندي بقي بن مخلد، والإمام أحمد ـ وهما من أكبر مسانيد الدّنيا ـ فبلغوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وستين صحابيًّا وصحابيّة، وقال: (( وفيهم عددٌ ممَّن اختُلف في صحبتهم وخاصة في مسند بقي بن مخلد ) ).
تنبيه: وليس يعني هذا أن روايات هؤلاء الصّحابة ـ الذين لم تصلنا أحاديثهم أو ماتوا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ لم تبلغنا عن طريق غيرهم من الصّحابة؛ بل السُّنّة محفوظة بحمد الله تعالى؛ لقوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] والسّنة هي المبيّنة للكتاب، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النمل:44] وحفظ المبيَّن يستلزم حفظ المبيِّن.
(2) الاستيعاب 3/ 892 (1516) .
(3) التاريخ الكبير 6/ 494 (3093) .