ونقل الحافظ المزّي عن أبي حاتم قوله: (( ليس بحديثه بأس ) ) [1] .
(1) تهذيب الكمال 17/ 19.
قلت: وفي نقل كلام أبي حاتم هذا في هذه الترجمة نظر؛ وهو مختصر، وتمامه كما رواه عنه ابنه في الجرح والتعديل 5/ 219: (( عبد الرحمن بن ثابت بن الصّامت، ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت.
روى عن أبيه، روى عنه ابنُ أبي حبيبة. سمعت أبي يقول ذلك.
سألت أبي عنه، فقال: ليس عندي بمنكر الحديث، قلت: أدخله البخاري في كتاب"الضّعفاء"؟ قال: يكتب حديثه، ليس بحديثه بأس، ويحوّل من هناك )) .
فتبيّن بهذا أن المراد به غير صاحب الترجمة، بدليل قوله: (( ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت ) )، وقوله: (( روى عنه ابن أبي حبيبة ) ).
وقد سبق في ترجمة (ثابت بن الصّامت) عند تخريج حديثه، ذكر اختلاف الرواة في اسم شيخ ابن أبي حبيبة (إبراهيم بن إسماعيل الأشهليّ) ، على ثلاثة أقوال:
1 ـ فمنهم من يقول: عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه.
2 ـ ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه.
3 ـ ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه.
فصاحب الترجمة في جميع هذه الأقوال هو المذكور في السّند بقوله: (( عن أبيه ) ).
وهو يروي عن أبيه ثابت بن الصّامت، وروى عنه ابنه عبد الرحمن، كما ذكره الحافظ المزي نفسه.
وأمّا ابنه فهو مترجم في"تهذيب الكمال"15/ 199 ـ وفروعه ـ بالقول الأوّل (عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت ابن الصّامت) وفيه: يروي عن أبيه، عن جدّه. روى عنه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
ويؤيّد كون المقصود في كلام أبي حاتم غير صاحب الترجمة قول ابن أبي حاتم: (( أدخله البخاري في كتاب الضعفاء ) ).
والإمام البخاري إنّما ترجمه بالقول الأخير، فقال في"الضّعفاء الصّغير" (204) : (( عبد الرحمن بن ثابت بن الصّامت، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن [أبي] حبيبة: عن عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه، ولم يصحّ حديثه ) ).
وهذه الترجمة تخالف ـ كما هو ظاهر ـ ما في"تاريخه الكبير"وإن اتحد حكمُه فيهما بقوله: (( لم يصحّ حديثه ) )؛ لأنّه حديث واحد بإسناد واحد، وهذا الحكم لا يستلزم تضعيفه للمترجم؛ لاحتمال أن يكون المعنى: لم يصح حديثه لضعف الطّريق إليه؛ لأنّه من رواية ابن أبي حبيبة، كما نبّه على هذا المعنى ابنُ القطّان في"بيان الوهم"3/ 377، والحافظ ابن حجر في لسان الميزان 4/ 413 (ترجمة عبد الرحمن بن صفوان) .
أو لم يصح له سماع من النّبي - صلى الله عليه وسلم -، كما فسّره به الحافظ ابن عديّ في"الكامل"4/ 311، ولكن هذا التفسير لا يستقيم مع النّصين المذكورين من"التاريخ، والضعفاء"، وإنّما يتوافق مع النّص الذي رواه ابن عدي عنه، حيث قال: (( سمعت ابن حمّاد(هو محمد بن أحمد بن حمّاد أبو بشر الدولابي صاحب الكنى، وراوي"الضعفاء الكبير"للبخاري، كما في هدي السّاري ص 492) يقول: قال البخاري: عبد الرحمن بن ثابت بن الصّامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن أبي حبيبة: عن عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، ولم يصح )).
قال ابن عدي: (( وهذا الذي ذكره البخاري إنّما هو حديث واحد، وقوله: (( لم يصح ) )أنّه لا يصح له سماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - )) .
قلت: والنّص الذي في التاريخ الكبير، والضعفاء الصغير: (( لم يصح حديثه ) ).
والترجمة التي في"الضعفاء الصغير"رواها عنه العقيليّ في كتابه"الضعفاء"2/ 325 (بواسطة راويه آدم بن موسى الخُوَاريّ له ترجمة في"تكملة الإكمال"لابن نقطة 2/ 517) وأخرج الحديث الذي أشار إليه البخاري من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن ثابت بن صامت، عن أبيه، عن جدّه: (( أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي في بني عبد الأشهل ... ) ).
وبالقول الأخير ترجمه ابن حبان في"المجروحين"2/ 55، فقال: (( عبد الرحمن بن ثابت بن الصّامت. يروي عن أبيه، روى عنه يزيد بن أبي حبيب(كذا ولعلّه سبق قلم، والصّواب: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة) . كان ممن يخطئ على قلّة روايته، ففحُش خلافه للأثبات فيما يرويه عن الثقات فاستحق الترك )).
وأمّا صاحب الترجمة فذكره في الثقات 2/ 55 وقال: (( يروي عن أبيه، روى عنه ابنه عبد الله بن عبد الرحمن ) ).
ولذلك اقتصر عليه المزي، ولم ينقل ما في"المجروحين"، ولم يستدركه عليه ابن حجر في"التهذيب"6/ 152، وإنّما زاد قوله: (( ذكره ابن عبد البر، وابن منده في الصحابة، ومسلم في التابعين ) ).
وأمّا الحافظ الذهبي فكأنّه لم يفرق بين الترجمتين حينما أدخله في"ميزان الاعتدال"ونقل عن ابن حبان تضعيفه إياه في"المجروحين"وذكره له في الثقات، ثم تعقّبه بقوله: (( فتساقط قولاه ) ).
وذكره أيضًا في"ديوان الضعفاء"فقال: (( يخالف الثقات ) ).
وقال في"المغني" (3538) : (( ليّنه البخاريّ ) ).
والغريب أنّه قد جزم بصحبة صاحب الترجمة (عبد الرحمن بن ثابت) ـ كما سبق ـ وقد شرط في مقدمة"الميزان"أن لا يدخل فيه أحدًا من الصّحابة لجلالتهم.
هذا ما بدا لي في هذه المسألة للأدلة والقرائن التي سقتها قبلُ، غير أنّ بعض الحفّاظ وافقوا الحافظ المزّيَّ في تنزيله كلام أبي حاتم، والبخاريّ ـ بل وابن حبان ـ على صاحب الترجمة، كابن القطّان في بيان الوهم والإيهام 3/ 377، ومغلطاي في"الإنابة" (638) ، وابن قطلوبغا في كتابه"من روى عن أبيه عن جدّه" (ص 346) ، فالله تعالى أعلم.