فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 118

والمخالفة وجميع أفعال المعاصي من شر القدر.

وفي رواية: حُلْوِه وَمُرِّه، فحلو القدر ما لايم الطبع ووافق النفس، كالتنعم والتلذذ بجميع الملاذ، كالعافية والمأكل والمشرب والمنكح، ومرّ القدر جميع ما نفر الطبع وخالفه كالآلام والأسقام والأمراض والأوجاع والجوع والعطش والخوف. وكل ما ذكر يجب الإيمان به.

جاء في رواية الترمذي تقديم السؤال عن الإيمان على السؤال عن الإسلام.

قال بعضهم: وهو أولى مما هنا، إذ السنة مبينة لكتاب الله عز وجل، فالأولى بالتقديم الإيمان، لموافقته لكتاب الله عز وجل، بدليل قوله: {إنما المؤمنون الذن إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال:] ، قدم فيها الإيمان على الإسلام، وغير ذلك من الآيات، كقوله عز وجل: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد:] ، إذ فيه تقديم التوحيد الذي هو من قبيل الإيمان على الاستغفار الذي هو من قبيل الإسلام.

قوله (صدقت) تقدم الكلام عليها.

قوله (قال فأخبرني عن الإحسان) يعني به الإخلاص، لأنه فسره بما معناه ذلك، ويجوز أن يعنى به إجادة العمل، من أَحْسَنَ في كذا إذا أجاد فعله، وهذا التفسير أخص من الأول، وهو سؤال عن الحقيقة، كالذي قبله، ليعلمه الحاضرون.

قوله (قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) هذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لأنه شمل مقام المشاهدة ومقام المراقبة.

بيان ذلك وإيضاحه أن للعبد في عبادته ثلاثة مقامات؛

الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقط معه الطلب، بأن تكون مستوفية للشروط والأركان.

والثاني: أن يفعلها كذلك، وقد استغرق في بحار المكاشفة، حتى كأنه يرى الله تعالى وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم، كما قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة.

الثالث: أن يفعلها كذلك، وقد غلب عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة. فقوله (فإن لم تكن تراه) نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة، أي إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية فاعبده وأنت بحيث تعتقد أنه يراك. فكل من المقامات الثلاثة إحسان، لأن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول، لأن الإحسان في الأخيرين من صفة الخواص، ويتعذر من كثير.

وهنا نكتة لطيفة. حكي عن بعض أهل الطريق أنه ذكر هذا الحديث يوما، فقال: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، ثم وقف، وهي إشارة صوفية أي أنك إن أفنيت نفسك ولم ترها شيئا شاهدت ربك، لأنها حجاب دونه، فإذا ألقيت الحجاب شاهدت الأحباب.

وهذا يشبه ما حكي عن بعضهم أنه قال: رأيت رب العزة في المنام، فقلت: يا رب، كيف الطريق إليك؟ قال: خلّ نفسك وتعال.

قيل: وأوحى الله تعالى إلى بعض الصديقين: عاد نفسك، فليس في المملكة من ينازعني غيرها.

قوله (قال: فأخبرني عن الساعة) أي عن وقت القيامة، وسميت بذلك لسرعة قيامها، أو لأنها عند الله تعالى كساعة، وليس السؤال عن وقت مجيئها ليعلمه الحاضرون كالمسؤول عنه في الأسئلة السابقة، إذ هو مقطوع بأنه تعالى مخصوص به، بل لينزجروا عن السؤال عنها، فإنهم أكثروا منه، كما قال الله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} [] ، فلما وقع الجواب بأنه لا يعلمها إلا الله تعالى كفوا عن ذلك.

قوله (ما المسؤول عنها) أي عن وقتها (بأعلم من السائل) أي أنت لا تعلمها، وأنا لا أعلمها، فالمراد: التساوي في نفي العلم بوقتها لا التساوي في العلم بوقتها.

قوله (قال: فأخبرني عن أمارتها) بفتح الهمزة أي علامتها، وربما روي: أمارتها بالجمع، وأما الإمارة بالكسر فالولاية، المراد علاماتها السابقة عليها ومقدماتها لا المقارنة المضايقة لها، كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، فلذا قال (أن تلد الأمة ربتها) وفي رواية: ربها. واختلف في معناه على أقوال؛

أصحها إنه إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، وأن ولدها من سيدها بمنْزلة سيدها، لأن مال الإنسان سائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بالإذن، أو بقرينة الحال، أو عرف الاستعمال.

وعبر بعضهم بأن يستولي المسلمون على بلاد الكفار، فتكثر السراري، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنْزلة سيدها لشرفه بأبيه.

ثانيها: أن معناه أن الإماء تلد الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته، إذ هو سيدها.

ثالثها: أن معناه أن تفسد أحوال الناس، فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها من غير علم أنها أمه.

ومن ذلك أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه بما يعامل السيد أمته من الإهانة والسب، ويشهد لذلك حديث أبي هريرة: المرأة مكان الأمة، وحديث: لا تقوم الساعة حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت