اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن هذا الحديث من الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام، فيه فوائد سنذكرها.
قوله (إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ) أي منزّه عن النقص والخبث، ويكون بمعنى القدوس. وقيل: طيب: الثناء.
وعلى هذا، فهو من أسمائه الحسنى المأخوذة من الصفة، كالجميل، على القول بصحته.
قوله (لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا) أي لا يقبل من الأعمال، ولا من الأموال إلا طيبا.
والطيب من الأموال في الأصل: ما يستلذ به، ومنه: {فَانْكِحُوْا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [] .
ويطلق أيضا بمعنى الطاهر، ومنه: {صَعِيْدًا طَيِّبًا} [] .
والله تعالى طيب بهذا المعنى، أي منزّه، كما مرّ.
فلا يقبل من الأعمال إلا طاهرا من المفسدات، كالرياء، والعجب، ونحوهما، ولا يقبل من الأموال إلا خالصا من شوائب الحرام، إذ الطيب ما طيبه الشرع، لا ما كان طيبا في الذوق، إذ هو من غير مباح وبال على متعاطيه وعذاب أليم.
وفي الخبر: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا أَشْرَكَ فِيْهِ غَيْرِيْ تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»
وفي الخبر أيضا: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ»
وتكره الصدقة بالرديء، كدرهم مغشوش، وحب مسوس، أو عتق ما فيه شبهة
قوله (وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى) أي لما خلق لعباده ما في الأرض جميعا وأباحه لهم سوى ما حرم عليهم (أَمَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ) منهم (بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِيْنَ) أي سوّى بينهم في الخطاب بأمره إياهم بأن يتحرّوا أكل الحلال وتعاطي الأعمال الصالحة، لأن الجميع عباده، ومأمورون بعبادته، إلا ما قام الدليل على تخصيصهم به دون أممهم (فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوْا صَالِحًا} [] ، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُلُوْا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [] ) أمر المؤمنين أن يتحروا أكل الحلال، كما ذكر، وأن يقوموا بحقوقه تعالى فقال: {وَاشْكُرُوْا للهِ} أي على ما أحل لكم {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُوْنَ} أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة فإن عبادتكم لا تتم إلا بالشكر.
الخطاب بالنداء لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا به دفعة واحدة، إذ هو كانوا في أزمنة، وخص الرسل بالذكر تعظيما لهم.
وفيه تنبيه على أن إباحة الطيبات لهم شرع قديم، ورد للرهبانية في رفض الطيبات، وأن الشخص يثاب إذا أكل طيبا قصد به القوة على الطاعة، وإحياء نفسه، بخلاف ما إذا أكل تشهيا وتنعما.
واعلم أن أفضل ما أكلت منه كسبك من زراعة، لأنها أقرب إلى التوكل، ثم من صناعة، لأن الكسب فيها يحصل بِكَدٍّ اليمين، ثم من تجارة، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكتسبون بها.
ويحرم ما يضرّ بالبدن والعقل، كالحجر والتراب والزجاج والسم والأفيون وهو لبن الخشخاش، ويحرم أكل الحشيشة التي تأكلها الحرافيش.
ويسن ترك التبسط في الطعام المباح، لأنه ليس من أخلاق السلف، هذا إذا لم تدع إليه حاجة، كقرى الضيف وأوقات التوسعة على العيال كيوم عاشوراء ويومي العيد ولم يقصد بذلك التفاخر والتكاثر، بل تطييب خاطر الضيف والعيال وقضاء وطرهم مما يشتهونه.
قال علماؤنا: وفي إعطاء النفس شهواتها المباحة مذاهب، حكاها الماوردي منعها وقهرها كيلا تطغى إعطاؤها تحيلا على نشاطها وبعثا لروحانيتها. قال: والأشبه: التوسط بين الأمرين، لأن في إعطائها الكل سلاطة عليه، وفي منعها بلادة.
ويسن الحلو من الأطعمة، وكثرة الأيدي على الطعام، وأن يحمد الله تعالى عقب الأكل والشرب.
روى أبو داود بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل وشرب قال: الحمد لله الذي أطعم وأسقى وسوّغه، وجعل له مخرجا.
وآداب الأكل والشرب كثيرة شهيرة.
(ثُمَّ ذَكَرَ) أبو هريرة رضي الله عنه بعد ما تقدم ما بقي من الحديث فقال: (الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ) أي لما هو طاعة، كالسفر للحج، وأسفار الجهاد، وغيرهما من أسفار الطاعة.
قوله (أَشْعَثَ) أي مغبرا الرأس (أَغْبَرَ) أي البدن والثوب (يَمُدُّ) أي عند الدعاء (يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) أي إلى جهتها يقول (يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) . وفيما ذكره دلالة على أن ذلك من آداب الدعاء، وهو كذلك، لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم رَفَعَ يَدَيْهِ فِي دُعَاءِ الاِسْتِسْقَاءِ حَتَّى رُؤِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ.
ولقوله صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللهَ حَيٌّ كَرِيْمٌ يَسْتَحِيْ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ كَفَّيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا صِفْرًا أي خائبتين، ولأن السماء قبلة الدعاء.
قوله (وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى) أي كيف (يُسْتَجَابُ لَهُ) أي يبعد لمن هذه صفته، وهذا حاله أن يستجاب له.
وفي هذا الحديث فوائد؛
-منها: بيان شرط الدعاء وموانعه وآدابه.
-ومنها: أن لا يدعو بمعصية، ولا بمحال.
-ومنها: أن يكون حاضر القلب، للنهي عن الدعاء مع الغفلة، وأن يحسن ظنه بالإجابة.
-ومنها: أن لا يستعجل، فيقول: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِيْ، إذ هو سوء أدب، فيقطعه عن الدعاء، فتفوته الإجابة. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أَعْظَمُ النَّاسِ ذَنْبًا مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَظَنَّ أَنَّ اللهَ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ»