فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 118

المجلس الأربعون: في الحديث الأربعين

الحمد لله اللطيف الخبير، مجيب دعوة المضطرين، وراحم الضعفاء والمساكين، فسبحانه وتعالى الحكيم القدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه ولا نظير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، البشير النذير، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته ما دام فريق في الجنة وفريق في السعير.

عن ابنِ عمرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُما - قالَ: أَخَذَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَنْكِبَيَّ فقالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لَمَوْتِكَ. [رواه البخاري]

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم جامع لأنواع الخير، وفيه الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن لم يطلب ذلك، وتحريضه - صلى الله عليه وسلم - على إيصال الخير لأمته، فإن هذا الكلام لا يخص ابن عمر وحده.

قوله (قَالَ) أي ابن عمر (أَخَذَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَنْكِبَيَّ) - بفتح الميم وسكون النون والباء، وهو مجمع العضد والكتف (فَقَالَ) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) أي لا تركن إليها، ولا تطمئن فيها، لأنك على جناح السفر منها إلى وطن إقامتك وهو الآخرة، كالغريب، لا يستقر في دار الغربة، ولا يسكن إليها، بل لا يزال مشتاقا إلى وطنه، عازما على السفر إليه.

قوله (أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ) أي جائز طريق، فالمسافر يمر في الطريق صارفا كل عزمه وقصده إلى بلوغ مقصده غير ملتفت إلى جزئيات الطريق، ولا معرج عليها.

ولذلك قال بعضهم في المعنى شعرا:

أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ÷ ونال من الدنيا سرورا وأنعما

كبانٍ بنى بنيانه فأقامه ÷ فلما استوى ما قد بناه تهدّما

وقد جاء في رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن عمر - رضي الله عنهما: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، واَعْدُدْ نَفْسَكَ فِيْ الْمَوْتَى، وَإِذَا أَصْبَحَتْ نَفْسُكَ فَلَا تُحَدِّثْهَا بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَتْ فَلَا تُحَدَّثْهَا بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ شَبَابِكَ لِهَرَمِكَ، وَمِنْ فَرَاغِكَ لِشُغْلِكَ، وَمِنْ غِنَاكَ لِفَقْرِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِوَفَاتِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِيْ مَا اسْمُكَ غَدًا»

قيل أوحي إلى نبي من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام: إن أردتَ لقائي غدا في حظيرة القدس فكن في الدنيا غريبا محزونا مستوحشا كالطير الوحداني الذي في الأرض والقفار يأكل من رؤوس الأشجار، فإذا كان الليل آوى إلى وكره، فلا يغتر أحد بالبقاء في دار الدنيا، فإن الحياة فيها في الحقيقة كزيارة ضيف أو سحابة صيف.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُوْلُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ) والمعنى: أن الشخص يجعل الموت بين عينيه، فيسارع إلى الطاعات، ويغتنم الأوقات، ويبادر إلى استغراقها بالتقوى والعمل الصالح، ويقصر الأمل، ويترك الميل إلى غرور الدنيا، فإنه لا يدري متى يأتيه الموت فيرتحل إلى الآخرة، كالغريب أو عابر السبيل، لا يدري متى يصل إلى وطنه صباحا أو مساء، فهو إذا أمسى في غربته لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء.

قوله (وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) وفي رواية: لسقمك، ومعناه: اغتنم العمل الصالح في أيام صحتك، فإن المرض قد يطرأ عليك فيمنعك منه، فتقدم المعاد بغير زاد.

وقيل:

تأهب للذي لا بد منه ÷ فإن الموت ميقات العباد

أترضى أن تكون رفيق قوم ÷ لهم زاد وأنت بغير زاد

فإن قلت: ورد أن العبد إذا مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما؟

قلنا: إنه ورد في حق من يعمل، والتحذير الذي في هذا الخبر في حق من لم يعمل شيئا، فإنه إذا مرض ندم على ترك العمل وعجز لمرضه عنه، فلا يفيده الندم.

قوله (وَمِنْ حَيَاتِكَ لَمَوْتِكَ) أي اغتنم أيام حياتك، لا تمرّ عنك في سهو وغفلة فتندم بعد موتك حيث لا ينفعك الندم.

وقد ذمّ الله تعالى طول الأمل، فينبغي للعاقل إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك، وليكثر من ذكر الموت، فإنّ ذِكره عونٌ على الزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بَالْمَوْتِ وَاعِظًا» .

وقال - صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» .

وقال - صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يُمَحِّصُ الذُّنُوْبَ، وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت