فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 118

طويلا، وأنت تقول: لو كان لي مال حججت منه، لو كان لي مال تصدقت منه، فعرفت ذلك من صدق نيتك، وأعطيتك ثواب ذلك كله.

فيا إخوتي، من نوى شيئا حصل له، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: نية المؤمن خير من عمله.

يقال: إنه ورد عن سبب، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم وعد بثواب على حفر بئر، فنوى عثمان رضي الله عنه أن يحفرها، فسبق إليها كافر، فحفرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نية المؤمن - يعني: عثمان، خير من عمله، يعنى: الكافر.

ويقال: إن النية المجردة من المؤمن خير من عمله المجرد عن النية.

وذكر بعضهم إن العمل بالنية تحته فردان: عمل ونية، فالقصد وقع لأحد الفردين، لأن في كل منهما أجرا، وأجر النية أكثر من أجر العمل الواقع بلا نية.

وقال بعضهم إن نية المؤمن تبلغ إلى حيث لا يبلغ العمل، لأن نيته أن يعبد الله تعالى، ولو عاش ألف سنة، وعمله لا يبلغ ذلك، وهذا الحديث رواه الطبراني في المعجم.

قوله صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ) أي نية وقصدا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ) حكما وشرعا. قوله (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) بضم الدال بالقصر بلا تنوين، هي هذه الدار التي نحن فيها، سميت بذلك لدناءتها، وسبقها الآخرة، وهي دار الهموم والأحزا والأكدار والتعب والنصب، ترفع الجاهل، وتضع العالم، كما قال بعضهم:

عتبت على الدنيا لرفعة جاهل ÷ وخفض لذي علم فقالت خذ العذرا

بنو الجهل أبنائي لهذا رفعتهم ÷ وأهل التقى أبناء ضرتي الأخرى

أأترك أولادي يموتون ضيعة ÷ وأرضع أولاد الضرتي الأخرى

وفي حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين، أحدهما: ما على وجه الأرض ن الهواء والجوّ. وثانيهما: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة.

قوله (يُصِيْبُهَا) أي يحصلها، شبّه تحصيل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود.

وقوله (أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا) أي يتزوجها، كما في رواية. وخصت بالذكر مع دخولها في دنيا، لأنها فتنة عظيمة. ففي الحديث: ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء، ولأن سبب ورود هذا الحديث: أن رجلا هاجر إلى المدينة بنية أن يتزوج بامرأة يقال لها أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. وقد خرج في الظاهر للهجرة، وفي الباطن لأجل المرأة، فلما أبطن خلاف ما أظهر استحق العتاب واللوم، ويقاس به من فعل مثله.

وقوله (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) جواب لقوله (مَنْ) .

والهجرة فعلة من الهجر، وهو لغة: الترك، والمرا هنا ترك الوطن إلى غيره، لأن المقصود: الهجرة من مكة إلى المدينة. وبالجملة، فحكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمرّ على التفصيل المذكور في كتب الفقه

وقد تطلق الهجرة على هجر ما نهى الله عنه. فقد ثبت في الحديث: المجاهد من جاهد نفسه، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. فيهجر الإنسان الأرض التي يغلب على أهلها أكل الحرام، ويهجر البلد التي يسبّ فيها العلماء والصلحاء، وأما هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام فحرام، إلا من عذر، وللزوج هجر زوجته في مضجعها إذا تحقق نشوها.

فانظر يا أخي ما اشتمل عليه هذا الحديث من المحاسن. وقد رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه - بباء مفتوحة، وراء ساكنة، ودال مهملة مكسورة، وزاي ساكنة، وباء مفتوحة، وهاء - البخاري، ومسلم رضي الله تعالى عنهما في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة، ومناقبهما كثيرة شهيرة لا نطيل بها.

ومن كلام البخاري [شعر] :

اغتنم في الفراغ فضل ركوع ÷ فعسى أن يكون موتك بغتة

كم صحيح رأيت من غير سقم ÷ ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

إخواني، من كان عاقلا، ويعلم أنه ميت، فإنه يرضى في الدنيا بالقوت فيما يناسب ذلك، ويشتغل بعمل الآخرة، فإن الآخرة هي دار القرار، والدنيا دار الفناء.

قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه: قد ارتحلت الدنيا مدبرة، والآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، و تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا في المسجد، إذ دخل عليه رجل أبيض اللون، حسن الشعر، عليه ثياب بيض، فسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فردّ عليه السلام، ثم سأله عن الدنيا، فقال: الدنيا كحلم النائم، وأهلها مجازون ومعاقبون، فقال: فالآخرة؟ فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية: {فريق في الجنة وفريق في السعير} [] ، فقال: يا رسول الله، ما الجنة؟ قال: أ تترك الدنيا لطالب نعيمها أبدا، قال: فما خير هذه الأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت