الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(عَنْ) أبي حمزة (أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ) خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ) [رواه البخاري ومسلم] .
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام الموصى به في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلَا تَفَرَّقُوْا} [آل عمران: 103] . ولا شك أن النفس الشريفة تحب الإحسان، وتجتنب الأذى. فإذا فعل ذلك حصلت الألفة، وانتظم حال المعاش والمعاد، ومشت أحوال العباد.
قوله (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أي الإيمان الكامل.
قوله (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ) أي في الإيمان من غير أن يخص بمحبته أحدا دون أحد، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، ولأنه مفرد مضاف فَيَعُمّ.
قال ابن العماد رحمه الله: الأولى أن يحمل على عموم الإخوة، حتى يشمل الكافر والمسلم، فيحب للكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام، كما يحب لأخيه المسلم الدوام على الإسلام. ولهذا، كان الدعاء له بالهداية مستحبا.
قوله (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أي مثل ما يحب لنفسه. والمراد ما يحب من الخير والمنفعة، إذ الشخص لا يحب لنفسه إلا الخير.
وفي رواية النسائي: «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» أي ويبغض له مثل ما يبغض لنفسه، ولفظه عند مسلم: «وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ» أو قال: «لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
واعلم أن الخير: اسم جامع للطاعات والمباحات؛ دنيوية وأخروية.
وقد جاء في حديث: «اُنْظُرْ، أَحِبَّ مَا تُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَهُ النَّاسُ إِلَيْكَ فَأْتِهِ إِلَيْهِمْ»
وفي كلام بعضهم: ارض للناس ما لنفسك ترضى.
لا بد أن يكون المعنى: فيما يباح، وإلا فقد يكون غيره ممنوعا منه وهو مباح له، كحب الشخص وطء زوجته أو أمته، فلا يدخل في هذا المعنى.
ولنتكلم على نكتة طريفة تتعلق بالإيثار، مناسبة للمقام
اعلموا أن الإيثار أمر عظيم، مدح الله تعالى أهله في كتابه الكريم فقال، وبقوله يهتدي المهتدون: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوْقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
قال العلماء: الإيثار على أنواع: إيثار في الطعام، وإيثار في الشراب، وإيثار في النفس والروح، وإيثار في الحياة.
-فأما الإيثار في الطعام، فقد روي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه رأس مشوي، فقال: أخي فلان وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إليه، وبعثه ذاك إلى آخر، فلم يزل يبعث به من واحد إلى واحد حتى تداولته سبع بيوت، فرجع إلى الأول.
وفي ذلك نزل قوله سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
وقيل: إن الآية نزلت في ضيف أضافه النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى بيت نسائه، فقلن: ما عندنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكْرَمَ ضَيْفِيْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ» ، فقال رجل: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال لها: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان، فقال لها: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، ففعلت، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، وناما طاويين، فلما أصبح، غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ضَحِكَ اللهُ مِنْ صَنِيْعِكُمَا» أو «مِنْ فِعْلِكُمَا» ، فأنزل الله تعالى الآية.
وحكي عن ابن الحسين الأنطاكي أنه اجتمع إليه نيف وثلاثون نفسا في قرية تعرف بالري، وكان لهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان، وأطفؤوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما رفع، إذا الطعام على حاله، ولم يأكل منهم أحد، إيثارا لصاحبه على نفسه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرِئٍ اِشْتَهَى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ، غُفِرَ لِهُ»
حكي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان مريضا فعوفي من مرضه، فاشتهى على جماعته سمكة مشوية، فأتي إليه بها، فلما وضعت بين يديه إذا السائل واقف على الباب يسأل، فقال لغلامه: ادفع إليه هذه السمكة، فقال له: أنت أحببتها ولم تأكلها، فقال: إن الله تعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوْا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:] .
وحكي أن إبراهيم بن أدهم وشقيقا البلخي اجتمعا يوما، فقال شقيق لإبراهيم: كيف تعملون إذا لم تجدوا شيئا؟ فقال: إن أُعطينا شكرنا، وإن مُنعنا صبرنا، فقال شقيق هكذا عندنا كلاب بلخ، فقال إبراهيم: كيف تعملون أنتم؟ فقال: إن أُعطينا آثرنا، وإن مُنعنا شكرنا، فقام إبراهيم وقَبَّل رأس شقيق، وقال: أنت الأستاذ.