-ومن الظلم والضرر أيضا عدم إيفاء الأجير حقه، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أَعْطَى ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اِسْتَأْجَرَ أَجِيْرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْعَمَلَ وَلَمْ يُعْطِهِ أُجْرَتَهَ»
-ومنه: أن يظلم يهوديا أو نصرانيا بنحو ماله تعديا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ظَلَمَ ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
-ومنه: أن يقطع حق غيره بيمين فاجرة، لخبر الصحيحين: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِيْنِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ اَلنَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» ، قِيْلَ: «يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا يَسِيْرًا؟!» قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيْبًا مِنْ أَرَاكٍ» .
فاحذر يا إخواننا الظلم وأنواع الضرر، وكونوا من دعوة المظلوم على حذر.
وكان شريح القاضي يقول: سيعلم الظالمون حق من انتقصوا أن الظالم ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر الثواب.
وروي: «إذا أراد الله بعبد خيرا سلط الله عليه من ظلمه»
خاتمة المجلس
دخل طاوس اليماني على هشام بن عبد الملك، فقال له: «اتق الله يوم الأذان» قال هشام: «وما يوم الأذان؟!» قوله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ: أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِيْنَ} [] ، فصعق هشام، فقال طاوس: «هذا ذل الصفة، فكيف بالمعاينة» .
اللهم سلمنا من شر الأشرار، آمين، آمين.
الحمد لله الذي خلق الأنام، وقدّر أرزاقهم من فضله، وبيّن الحلال والحرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك القدوس السلام، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المختص بمزيد الإكرام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الفضل والإنعام.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنْ اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِيْ وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» [حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين] .
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع.
وقيل فيه إنه من فصل الخطاب الذي أعطيه داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
إذا علم هذا فلنتكلم على بعض ما فيه باختصار تتميما للمجلس، فنقول:
قوله (لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ) أي استباحوها، (وَلَكِنْ اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِيْ وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ) يعني: أن جانب المدعي ضعيف لدعواه خلاف الأصل، فكُلِّف الحجة القوية، وجانب المنكر قويّ لموافقته الأصل، فاكتفي منه بالحجة الضعيفة.
والمراد بالمدعي من خالف قوله الظاهر، فإن امتنع المدعى عليه من اليمين بعد عرضها عليه من القاضي، أو بعد قول القاضي له: «احلف» ، بأن يقول: «لا أحلف» ونحوه، رُدّت على المدعي فيحلف، ويستحق، لتحوّل الحلف إليه بالنكول، ولأن نكول الخصم يحتمل أن يكون تورعا عن اليمين الصادقة، كما يحتمل أن يكون تحرزا عن اليمين الكاذبة.
ومن أراد - يا إخواني - بسط الكلام على هذا المقام، فليراجع كتب الفقه فإن مرادنا من هذه المجالس إنما هو الوعظ، ولا يخفى ما ورد في السنة الغراء من الوعيد على الأيمان الفاجرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِيْنِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ اَلنَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» ، قِيْلَ: «يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَإِنْ كَانَتْ شَيْئًا يَسِيْرًا؟!» قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيْبًا مِنْ أَرَاكٍ» [رواه البخاري ومسلم] .
والأحاديث في ذلك كثيرة.
واليمين الكاذبة مع العلم بالحال تسمى اليمين الغموس، لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار، وهي من الكبائر، وتذر الديار بلاقع، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية.
واعلموا أن شهادة الزور أيضا من الكبائر. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة، فقال للشاهد: «هَلْ تَرَى الشَّمْسَ؟» قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «عَنْ مِثْلِ هَذَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا يَسْمَعُ» .
وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّوْرِ شِرْكًا بِاللهِ» ثُمَّ قَرَأَ: {وَاجْتَنِبُوْا الرِّجْسَ مِنَ اْلأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوْا قَوْلَ الزُّوْرِ} [] .
قال الذهبي: وفي الآثار: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله.
وفي الحديث الثابت: «لَا تَزُوْلُ قَدَمَا شَاهِدِ الزُّوْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ» وفي رواية: «حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا قَالَ»
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: قلتُ: شاهد الزور قد ارتكب عظائم:
-أحدها: الكذب والافتراء، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِيْ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
-وثانيها: أنه ظلم الذي شهد عليه حتى أخذ بشهادته ماله وعرضه وروحه.
-وثالثها: أنه ظلم الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته، فأوجب له النار.