وقد دلت الأحاديث أن المعاصي تسوق إلى الكفر، والعياذ بالله تعالى، ومن ذلك:
-قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُوْدُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوْهَا} [] ، فنهى عن المقاربة حذرا ن المواقعة.
-وقوله تعالى: {وَيَقْتُلُوْنَ النَّبِيِّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ذَلِكَ بَمَا عَصَوْا} [] أي تدرجوا بالمعاصي إلى قتلهم.
-وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» أي يتدرج بها نصاب السرقة فتقطع يده.
-ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نظر لما ذكره بقوله (كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ) أي كالراعي يرعى الماشية بحول الحمى أي المحمي، وهو المكان من الأرض المباحة الممنوع من الرعي فيه.
(يُوْشِكُ) بكسر الشين أي يسرع ويقرب أن يرتع فيه.
ومعناه: أكل الماشية من المرعي وأقامتها به.
وكفى بهذا دليلا على درء المفاسد وجلب المصالح بالتباعد عما يخاف منه، وإن ظن السلامة في مقاربته.
قوله (أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى) وهو ما يحجزه لرعي خيله وغيره من مصالحه، ويمنع غيره منه.
قوله (أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ) أي أن تنتهك.
وهذا ضرب مثل محسوس لتكون النفس متفطنة أشد تفطن، فتتأدب معه تعالى، كما تتأدب مع الأكابر، إذ كل مَلِكٍ - بكسر اللام - له حمى يحميه عن الناس، ويمنعهم من دخوله، فمن خالفه ودخله عاقبه، فالرب جلّ جلاله حمى محارمه التي حرّمها.
وقد حرم إبراهيم عليه السلام مكة، ونبينا صلى الله عليه وسلم المدينة، فاحذر يا أخي أن تقع في محارم الله تعالى، فيعاقبك.
قوله (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) اعلم، أرشدني الله وإياك أ القلب عضو باطن في الجسد، وعليه مدار حال الإنسان، وبه العقل، وهو أشرف أعضائه، وسمي قلبا لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه وتقلبه.
كما قيل:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ÷ ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقد يعبر عنه بنفس العقل، لقوله تعالى: {إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:] أي عقل.
وإنما كان صلاح البدن وفساده تابعا لصلاح القلب وفساده، لأنه مبدأ الحركات البدنية والإرادات النفسانية، فإذا صدرت عنه إرادة صالحة لسلامته من الأمراض الباطنية كالحسد والشح والغل والكبر، أو فاسدة لعدم سلامته مما ذكر، تحرك البدن بتلك الحركة، فهو كالملك، والجسد وأعضاؤه كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك، وتفسد بفساده.
وأيضا فهو كالعين، والجسد كالمزرعة؛ إن عذب ماء العين عذب الزرع، أو ملح ملح.
وأيضا فهو كالأرض، وحركات الجسد كالنبات، قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِيْ خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [] .
قد شق عن قلبه صلى الله عليه وسلم واستخرج منه علقة سوداء، وقيل: هذا حظ الشيطان منك، ثم طهر، فطاب قلبه، فصار فردا.
قيل: وصلاح القلب في ستة أشياء؛ قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين، وأكل الحلال، وهو رأسها.
وقد قيل: إذا صمت فافطر على طعام من تنظر فإن الرجل ليأكل الأكلة فتشعل قلبه كالسم، فلا ينتفع أبدا.
وقال بعضهم وأحسن وأجاد: الطعام بذر الأفعال، إن دخل حلالا خرج حلالا، وإ دخل حراما خرج حراما، وإن دخل شبهة خرج شبهة.
روي عن بعضهم أنه قال: استسقيت جندبا، فسقاني شربة، فصارت قسوتها في قلبي أربعين صباحا.
وأنشدوا في معنى ما قدمناه:
دواء قلبك خمس عند قسوته ÷ فَدُمْ عليها تَفُز بالخير والظفر
خلاء بطن وقرآن تدبره ÷ كذا تضرع باكٍ ساعة السحر
كذا قيامك جنح الليل أوسطه ÷ وأن تجالس أهل الخير والخبر
واعلم أن هذا الحديث أصل في الورع أيضا، وهو ترك الشبهة والعدول إلى غيرها.
قال الحسن البصري: أدركنا قوما كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال خشية الوقوع في الحرام.
وثبت عن الصديق رضي الله عنه أنه أكل ما فيه شبهة غير عالم بها، فلما علم بها أدخل يده في فيه، فتقيأها.
وقال أبو درغام: التقوى أن يتقي الله العبد بترك بعض الحلال مخافة أن يكون حراما.
وقيل لإبراهيم بن أدهم: ألا تشرب من ماء زمزم؟! فقال: لو كان لي دلو لشربت. إشارة إلى أن الدلو من مال السلطان، فكان شبهة.
وقال زيد بن ثابت: لا شيء أسهل من الورع، إذا رابك شيء فَدَعْهُ.
وهذا أسهل عى من سهله الله عليه، صعب على كثير من الناس، أثقل من الجبال.
ومن محاسن الحديث أيضا: الحث على فعل الحلال واجتناب الحرام، والإمساك عن الشبهات، والاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء الظن، والوقوع في المحظور.