لم يحج بعد فرض الحج إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع، كما ذكرنا، ولخبر مسلم: أحججنا هذا لعامنا أم للأبد؟ قال: لا، بل للأبد.
وأما حديث البيهقي الآمر بالحج في كل خمسة أعوام، فمحمول على الندب، لقوله صلى الله عليه وسلم: من حج حجة أدى فرضه، ومن حج ثانية داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار، وقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض، كنذر وقضاء عن إفساد التطوع.
والعمرة فرض في الأظهر، لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} [] ، أي ائتوا بهما تامين.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة.
ولا تجب في العمر إلا مرة واحدة. فيا إخواني، من لم يمنعه من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر، ومات ولم يحج، فلا يبالي، مات يهوديا أو نصرانيا.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: هممت أن أركب إلى الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا.
وعن سعيد بن إبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس: لو علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج، ثم مات قبل أن يحج، ما صليت عليه.
وقد فعله بعض السلف في جارٍ له موسر مات فلم يصلِّ عليه.
وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: من مات ولم يُزَكِّ ولم يحجّ سأل الرجعة إلى الدنيا. وكان يفسر قوله تعالى: {رَبِّ ارْجِعُوْنِ. لَعَلِّيْ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيْمَا تَرَكْتُ. كَلاَّ} [] ، وكان يقول: هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد.
وقد جاء في فضل الحج والعمرة أخبار كثيرة؛
منها قوله صلى الله عليه وسلم: من خرج من بيته حاجا أو معتمرا ومات أجرى الله له أجرا الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: إن من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة، فظن أن الله لم يغفر له وهو أول يوم في الدنيا.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: إن الحجر ياقوتة من ياقيت الجنة، وإن الله يبعثه يوم القيامة وله عينان ولسان ينطق به، ويشهد لمن استلمه بحق وصدق.
وقال مجاهد: إن الحجاج إذا قدموا مكة لحقتهم الملائكة، فسلموا على ركبان الإبل، وصافحوا ركبان الحمير، واعتنقوا المشاة اعتناقا.
وفي الخبر: إن الله قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كملهم الله من الملائكة، وإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة، فكل من حجها يتعلق بأستارها، ويسعون خلفها، حتى تدخل الجنة، فيدخلون معها.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: عمرة في رمضان تعدل حجة.
حكي عن محمد بن المنكدر أنه حج ثلاثا وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضي، والثانية عن أبي، والثالثة عن أمي، وأشهدك يا رب، إني قد وهبت الثلاثين لمن وقف بموقفي هذا ولم تتقبل منه، فلما دفع من عرفات نودي: يا ابن المنكدر، أتتكرم على من خلق الكرم والجود؟ وعزتي وجلالي، إني لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألف عام.
هذا هو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وجاء في رواية تقديمه على الحج هو رواية الأكثر، ووجهه أن الصوم كل عام، ووجه ما هنا ما فيه من تنشيط النفس وإرضائها بما فيه من المشقة وبذل المال.
والصوم في اللغة الإمساك، ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم: {إِنِّيْ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [] أي إمساكا وسكوتا من الكلام.
وفي الشرع: إمساك عن المفطر على وجه مخصوص مع النية.
والأصل في وجوبه قبل الإجماع قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامِ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [] أي من الأمم الماضية. قيل: ما من أمة إلا أوجب الله عليهم رمضان، إلا أنهم صلوا عنه.
وأخبار كهذا الخبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس.
وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة.
وأركانه ثلاثة؛ صائم ونية وإمساك عن المفطرات.
ويجب صوم رمضان بأحد أمرين؛ بإكمال شعبان ثلاثين يوما، أو رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان.
ووجوبه معلوم من الدين بالضرورة، فمن جحد وجوبه فهو كافر، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بعيدا عن العلماء، ومن ترك صومه غير جاحد من غير عذر؛ كمرض، وسفر، كأن قال: الصوم واجب عليّ، ولكن لا أصوم، حبس، ومنع الطعام والشراب نهارا، ليحصل له صورة الصوم بذلك.