وإنما كان الفرض أحب إلى الله تعالى من النفل لأمور:
-منها: أنه أكمل من حيث إن الأمر به جازم، متضمن للثواب على فعله، والعقاب على تركه.
-ومنها: أن الفرض كالأصل والأساس، والنفل كالفرع والبناء.
-ومنها: أن في الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر، واحترام الآمر به، وتعظيمه بالانقياد إليه، وإظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل.
قوله: (وَمَا يَزَالُ عَبْدِيْ) ، وفي رواية: (وَمَا زَالَ) (يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ) من الصلاة وغيرها (حَتَّى أُحِبَّهُ) - بضم الهمزة، وفتح الباء - والمراد: يفعل بعد أداء الفرائض ما يحصل به التقرب عادة من فعل الإحسان ونحوه، إذ الله مُنَزَّه عن الوصف بالقرب والبعد، ومن ثم قال الأستاذ أبو القاسم القشيري - رحمه الله - قرب العبد من ربه يكون بالإيمان، ثم الإحسان، وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه، وفي الآخرة من رضوانه، وفيما بين ذلك من وجود لطفه وإحسانه، ولا يتم قرب العبد من الحق إلا ببعده عن الخلق.
قال: وقرب الرب بالعلم والقدرة عام للناس، وباللطف والنصرة خاص بالخواص، وبالتأنيس خاص بالأولياء.
قال الفاكهاني - رحمه الله: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى.
قوله: (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِيْ يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِيْ يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِيْ يَمْشِيْ بِهَا) قالوا: المعنى: كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وبصره في النظر، ويده في البطش، ورجله في المشي.
وقال بعضهم: ويجوز أن يكون المعنى: كنت معينا له في الحواس المذكورة.
وقيل: غير ذلك من الأقوال التي لا حاجة لنا بالإطالة بنقلها.
قوله: (وَإِنْ سَأَلَنِيْ أَعْطَيْتُهُ) أي ما سأل. قوله: (وَإِنِ اسْتَعَاذَنِيْ) بالباء والنون أي طلب مني أن أعيذه مما يخاف (لَأُعِيْذَنَّهُ) والمراد: أنه تعالى يتولى وليّه في جميع أحواله بحسن تدبيره، ويكلؤه بحسن رعاية كلاءة الوليد.
قال بعضهم: إذا أراد الله تعالى أن يوالي عبده، فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذّ الذكر، فتح عليه باب القرب، ثم رفعه إلى مجالس الأنس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار القرب وكشف له الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره معنى الجلال والعظمة، خرج من حسّه ودعاوى نفسه، ويحصل حينئذ في مقام العلم بالله، فلا يتعلم بالخلق، بل بتعليم الله وتجلّيه لقلبه، فيسمع ما لم يسمع، ويفهم ما لم يفهم.
قال بعض العارفين: علامة محبة الله تعالى بغض المرء نفسه، لأنها مانعة من المحبوب، فإذا وافقته نفسه في المحبة أحبّها، لا لأنها نفسه، بل لأنها تحب محبوبه.
اللهم تولّنا في جميع أمورنا، آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله الذي اختص من مخلوقاته الإنسان، ورفع عنه بكرمه الخطأ والنسيان، وأشهد أن لا إله إلا الله القديم المحمود بكل لسان، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله المؤيد بمعجزات القرآن، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحاه وذريته ذوي الولاية والإحسان.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِيْ عَنْ أُمَّتِيْ اَلْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوْا عَلَيْهِ» رواه ابن ماجه، والبيهقي، وغيرهما.
اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم، عام النفع، ومحل الإطالة في الأمور التي تضمنتها كتب الفقه، لكن نذكر شرحه مختصرا على وجه لطيف فنقول:
قوله: (إِنَ اللهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ) معناه: عفا. قوله: (لِيْ عَنْ أُمَّتِيْ) أي لأجلي. قوله: (اَلْخَطَأَ) هو نقيض الصواب. قال الآمدي: المخطئ من أراد الصواب، فصار إلى غيره. والخاطئ: مَنْ فعل ما لا ينبغي. مصداقه: حديث: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ» . قوله: (وَالنِّسْيَانَ) هو عدم الذكر للشيء لذهول أو غفلة. قوله: (وَمَا اُسْتُكْرِهُوْا عَلَيْهِ) أي قهروا عليه.
فهذه الثلاثة مرفوعة عن هذه الأمة كرامة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إذ تقع في العبادات وغيرها، كالطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، والنكاح، والطلاق، والقتل، والعتق.
وشرط الإكراه مذكور في كتب الفقه.
قال الكلبي - رحمه الله تعالى: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطأوا، عجلت لهم العقوبة به، فحرم عليهم شيء من مطعم، أو مشرب، بحسب ذلك الذنب، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يسألوه تَرْكَ مؤاخذتهم بذلك بقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .