وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، بعثك بالحق نبيا، يا محمد، قم وافعل كما فعلت، ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله، فقال: يا محمد، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويغفر الله لمن يصنع مثل صنيعك ذنوبه، حديثها وقديمها، وسرّها وعلانيتها، وعمدها وخطأها، وحرم لحمه، ودمه على النار.
ولنرجع الكلام على بقية الحديث:
قوله - صلى الله عليه وسلم: (وَالْحَمْدُ للهِ) أي هذا اللفظ وحده، أو هذه الكلمة وحدها، وقيل: المراد: الفاتحة.
(تَمْلَأُ) - بالتحتية والفوقية - (الْمِيْزَانَ) أي: ثواب التلفّظ بها مع استحضار معناها، والإذعان لمدلولها يملأ كفة الحسنات التي هي مثل طباق السماوات والأرض، وسيأتي الكلام على صفة الميزان، وما يتعلق بها في الختام إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآنِ أَوْ يَمْلَأُ) شك من الراوي (مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، وذلك لأن العبد إذا حمد مستحضرا معنى الحمد وما اشتمل عليه من التفويض إلى الله تعالى امتلأت ميزانه من الحسنات، فإذا أضاف إلى ذلك: سُبْحَانَ اللهِ الذي هو تنزيه الله عما لا يليق به، ملأت حسناته زيادة على ذلك ما بين السماوات والأرض، إذ الميزان مملوءة بثواب التحميد.
فهذه الزيادة هي ثواب التسبيح، وثواب الحمد من ملئه للميزان باق بحاله على كل من اللفظين المشكوك فيهما.
وذكر السماوات والأرض على عادة العرب في إرادة الإكثار، والمراد: أن الثواب على ذلك كثير جدا، بحيث لو جسم، لملأ ما بين السماوات والأرض.
وروي أن التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤها، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب، حتى تصل إليه، أي ليس لقبولها حجاب يحجبها.
وروى الإمام أحمد أن الله اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وإن في كلٍّ من الثلاثة عشرين حسنة، وحط عشرين سيئة، وفي الحمد لله ثلاثين.
وحكي ابن عبد البر خلافا في أن الحمد لله أكثر ثوابا أو لا إله إلا الله؟ قال النخعي: وكانوا يرون أن الحمد أكثر الكلام تضعيفا. وقال الثوري: ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد لله، وروى الحديث المتقدم.
واتج آخرون بما في حديث البطاقة. وروى الإمام أحمد: لو أن السماوات السبع وعامريهن، والأرضون السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ وَحِيْنَ يُمْسِيْ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيْمِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ فِيْ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عِدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لِهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيْ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّ جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَبِحَمْدِهِ فِيْ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .
وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ: كِيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيْحَةٍ، فَتُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، وَتُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيْئَةٍ» .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اِسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» ، قِيْلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «اَلتَّكْبِيْرُ، وَالتَّهْلِيْلُ، وَالتَّسْبِيْحُ، وَالتَّحْمِيْدُ للهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» .
ويروى أن في الجنة ملائكةً يغرسون الأشجار للذاكرين، فإذافتر الذاكر فتر الملك ويقول: فتر صاحبي.
وروى الحاكم أن طلحة بن عبيد الله سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن معنى سبحان الله، فقال: «تَنْزِيْهُ اللهِ مِنْ كُلِّ سُوْءٍ» .
وروى ابن أبي حاتم عن علي - رضي الله عنه - قال: سبحان الله كلمة أحبّها الله لنفسه ورضيها، وأحبّ أن تقال.
وعن كعب بن عجرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيْبُ قَائِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوْبَةٍ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِيْنَ تَسْبِيْحَةً، وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِيْنَ تَحْمِيْدَةً، وَأَرْبَعًا وَثَلَاثِيْنَ تَكْبِيْرَةً» وفي رواية: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِيْنَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِيْنَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِيْنَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .
قال النووي - رحمه الله: والأولى الجمع بين الروايتين، فيكبر أربعا وثلاثين ويقول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ... إِلَى آخِرِهِ.
وروي: «مَنْ قَالَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوْبَةٍ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِيْ وَيُمِيْتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ