قوله صلى الله عليه وسلم: (وَلَا تَنَاجَشُوْا)
النجش في اللغة: الإثارة والخديعة.
وفي الشرع: الزيادة في الثمن المدفوع في المعروض للبيع وإن لم يساو القيمة، أو كان لمحجور عليه ليغر غيره فيشتريه.
وهو حرام للإيذاء، وغش الغير حرام، والبيع صحيح، إذ المعنى في النهي خارج عن البيع، ولا خيار للمشتري لتقصيره، ويختص الإثم بالعالم بالتحريم دون غيره.
قوله (وَلَا تَبَاغَضُوْا) أي لا تتعاطوا أسباب البغضاء، فالبغض حرام إلا في الله تعالى، فإنه واجب ومن كمال الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ للهِ، وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى للهِ، وَمَنَعَ للهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيْمَانُ» .
قوله (وَلَا تَدَابَرُوْا) أي لا يدبر بعضكم عن بعض معرضا عنه، إذ التدابر المعاداة. وقيل: المقاطعة، لأن كل واحد يولي صاحبه دبره.
قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» . وفي رواية: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا اَلَّذِيْ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» .
وفي سنن أبي داود: «فَمَنْ هَجَرَهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَل النَّارَ» .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ويجوز هجر المبتدع والفاسق ونحوهما ومن رجا بهجره صلاح دين الهاجر والمهجور، وعليه يحمل هجره صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه، ونهيه صلى الله عليه وسلم الصحابة عن كلامهم، وكذا هجر السلف بعضهم بعضا.
قوله (وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعضٍ) نهي صلى الله عليه وسلم عن البيع على بيع غيره أي قبل لزومه بانقضاء خيار المجلس أو الشرط بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله بأقل من ثمنه. وكذا يحرم الشراء على الشراء قبل لزومه بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه بأكثر.
قال صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» [رواه الشيخان عن ابن عمر] . زاد النسائي: «حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ» . وفي معناه الشراء على الشراء.
وروى مسلم من حديث عقبة بن عامر: «اَلْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ؛ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ حَتَّى يَذَرَ» والمعنى في تحريم ذلك وهو للعالم بالنهي عنه الإيذاء ولو أذن البائع في البيع على بيعه ارتفع التحريم، وكذا المشتري في الشراء ولو باع واشترى دون إذن صح.
قوله (وَكُوْنُوْا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) أي اكتسبوا ما تصيرون به كذلك من حسن المعاشرة وفعل المؤلفات وترك المنفرات، فتعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة ولملاطفة والتعاون على الخير مع صفاء القلوب والنصح على كل حال.
قوله (اَلْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ) معناه ما ذكر من حسن المعاشرة وغيره مما مر.
قوله (لَا يَظْلِمُهُ) أي لا يدخل عليه ضررا لا يجوّزه الشرع لحرمة ذلك ومنافاته الأخوة، ولأن الظلم للكافر حرام، فللمسلم أولى، والظلم يكون في النفس والمال والعرض، وكل ذلك منهي عنه، بدليل آخر الحديث. قال صلى الله عليه وسلم: «اَلظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . والأحاديث الواردة في ذم الظلم كثيرة شهيرة، ولذا قيل في المعنى:
لا تظلمن إذا ما كنتب مقتدرا ÷ فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه ÷ يدعو عليك وعين الله لم تنم
وقال بعض السلف: لا تظلم الضعفاء، فتكون من شرار الأشقياء.
قوله (وَلَا يَخْذُلُهُ) أي بعدم إعانته ونصرته الجائزة مع القدرة عند الحاجة، فإذا استعان به في رفع ظلم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه من غير عذر شرعي، لأن من حق أخوة الإسلام التناصر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: {وَعِزَتِيْ وَجَلَالِيْ، لَأَنْتَقِمَنَّ مِنَ الظَّالِمِ فِيْ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، وَلَأَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ رَأَى مَظْلُوْمًا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ}
وقال صلى الله عليه وسلم: «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُوْمًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُوْمًا، أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِمًا كِيْفَ أَنْصُرُهُ؟! قَالَ: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» .
وفي الحديث أيضا أمر بعبد من عباد الله تعالى أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: عَلَامَ جلدتموني؟ قالوا: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره.
ودخل في قوله: (وَلَا يَخْذُلُهُ) الخذلان الديني والدنيوي، فالديني كأن يرى الشيطان مستوليا عليه في بعض أحواله أو أعماله فلم يُعِنْهُ على الخلاص منه بوعظ ونحوه، والدنيوي كأن يرى شخصا يبطش به فلم يُعِنْهُ عليه.
وجاء في رواية: «وَلَا يُكْذِبُهُ» - بضم الياء وإسكان الكاف، كما ضبطه النووي رحمه الله تعالى - أي لا يخبره بأمر على خلاف ما هو عليه، لأنه غش وخيانة وأشد الأشياء ضررا، كما أن الصدق أشدها نفعا.