فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 118

واختلفوا في موضع جلوس الملكين من الإنسان؟ فقال الضحاك: مجلسهم تحت الشعر على الحنك.

قال البغوي: ومثله عن الحسن البصري. وكان يعجبه أن ينظف عنفقته.

وروى أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ، فَإِنَّهَا مَجْلِسُ الْمَلَكَيْنِ الْكَرِيْمَيْنِ اَلْحَافِظَيْنِ، وَإِنَّ مَدَادَهُمَا اَلرِّيْقُ، وَقَلَمُهُمَا اَللِّسَانُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ أَضَرُّ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بَيْنَ الْأَسْنَانِ» .

قال أبو طالب المكي في تفسيره: يروى أن الملك على ناب الإنسان الذي يأكل به، وقلم الملك لسان الإنسان، ومداده ريق الإنسان. قال: وهذا تمثيل في القرب، والله أعلم بكيفية ذلك.

وأما الذي تكتب به الحفظة فدواوين من رق، كما قال تعالى: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 2 - 3] على أحد الأقوال فيه.

وقال تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13] قال البغوي: وفي الآثار: وإن الله تعالى يأمر الملك بطيّ الصحيفة إذا تمّ عمر المرء، فلا تنشر إلى يوم القيامة. والظاهر: إن هذه الكتابة التي تكتبها الملائكة ليست بهذه الأحرف. ويدل عليه أن الغزالي ذكر عن اللوح المحفوظ أن المكتوب فيه ليس حروفا. قال: وإنما ثبوت المعلومات فيه كثبوتها في العقل، والله أعلم.

واختلفوا فيما تمتبه الملائكة على بني آدم، فنقل البغوي عن مجاهد، وأبو طالب عن الحسن وقتادة: أنهما يكتبان كل شيء، حتى أنينه في مرضه.

وأيد هذا القول بقوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] ، قيل في التفسير: إن الملائكة إذا صعدت بعمل العبد، محا الله عنه المباحات، وأثبت فيه الحسنات والسيئات، لما روت أم حبيبة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللهِ» قاله أبو طالب وابن عطية وغيرهم.

يروى أن رجلا قال لبعيره: حل، فقال صاحب الحسنات: ما هي بحسنة، فاكتبها. وقال صاحب السيئات: ما هي بسيئة، فاكتبها، فأوحى الله تعالى إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحب اليمين، فاكتبه. قال البغوي: وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ويوزر.

روى البغوي بسنده إلى أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ عَلَى يَمِيْنِ الرَّجُلِ، وَكَاتِبُ السَّيِّئَاتِ عَلَى يَسَارِ الرَّجُلِ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِيْنٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ، فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا مَلَكُ الْيَمِيْنِ عَشْرًا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِيْنِ لِصَاحِبِ الشَّمَالِ: تَعَالَ أُلَاقِيْكَ، وَأطْرَحُ أَنَا حَسَنَةً، وَأَنْتَ عَشْرًا، حَتَّى يَصْعَدَ صَاحِبُ السَّيِّئَاتِ وَلَا سَيِّئَةَ مَعَهُ» .

فائدة: وهي خاتمة المجلس:

مما يؤثر الويل لمن غلبت أحاده أعشاره، فالآحاد: السيئات، والأعشار: الحسنات، والمعنى: إن من عمل حسنة واحدة وعشر سيئات لم تغلب آحاده أعشاره، لأن الحسنة الواحدة تكفر عنه عشر سيئات، ومن عمل حسنة واحدة وإحدى عشرة سيئة فقد غلبت آحاده أعشاره، فالويل له إن لم يعف الله تعالى عنه.

قال الواحدي في تفسيره: روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَلَ بِعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ قَالَا: يَا رَبِّ، قَدْ قُبِضَ عَبْدُكَ فُلَانٌ، أَيْنَ نَذْهَبُ؟ قَالَ: سَمَائِيْ مَمْلُوْءَةٌ مِنْ مَلَائِكَتِيْ، يَعْبُدُوْنِيْ، وَأَرْضِيْ مَمْلُوْءَةٌ مِنْ مَلَائِكَتِيْ، يُطِيْعُونِيْ، اِذْهَبَا إِلَى قَبْرِ عَبْدِيْ، فَسَبِّحَانِيْ، وَكَبِّرَانِيْ، وَهَلِّلَانِيْ، وَاكْتُبَا ذَلِكَ فِيْ صَحِيْفَةِ عَبْدِيْ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . فهذا يدل على أن الحفظة اثنان.

وقوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] يدل على أن الحفظة أربعة: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، على ما ذكره المفسرون، حيث قالوا: سمى الله صلاة الصبح مشهودة، لأنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَتَعَاقَبُوْنَ فِيْكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ... » . فهم أربعة، إذا صعد اثنان حفظه اثنان، لا يفترون.

اللهم وفقنا لطاعتك أجمعين، آمين، والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله خص أولياءه بالكرامة، وجعلهم خلفاء لنبيه المبعوث بالرحمة والاستقامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها يوم الحسرة والندامة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الشفيع المشفع في عرصات القيامة، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه الذين فازوا بالسلامة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ} » رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت