فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 118

أراني أمي قد خرجت من النار، وأمر بها إلى الجنة.

قال الشيخ المذكور: فحصل لي فائدتان: صدق الخبر المذكور وصحته، وصدق كشف هذا الشاب.

قال الشيخ نجم الدين - رحمه الله تعالى: لكن الحديث المذكور قال بعض المشايخ لم يرد به سند فيما أعلم.

قال: وقد وقفت على صورة سؤال للحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن هذا الحديث وهو: من قال لا إله إلا الله سبعين ألفا فقد اشترى نفسه من الله، هل هو حديث صحيح أو حسن أو ضعيف، وصورة جوابه: أما الحديث المذكور فليس بصحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هو باطل موضوع لا تحلّ روايته إلا مقرونا ببيان حاله. اهـ.

قال الشيخ نجم الدين - رحمه الله - لكن ينبغي للشخص أن يفعلها اقتداء بالسادة الصوفية، واقتداء بقول من أوصى بها، وتبركا بأفعالهم.

وقد ذكرها الشيخ الوالي العارف سيدي محمد بن عراق - نفعنا الله ببركاته - في بعض سفيناته المؤلفة قال: وكان شيخنا يأمر بها، وذكر أن بعض إخوانه ذكر له عن بعض الصلحاء أنه كانت له سبحة عددها ألف، وكان يديرها سبعين مرة من بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس.

قال: وهذه كرامة له من الله تعالى فنسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بذلك، وأن يلحقنا بعباده الصالحين، فاغتنموا هذه الفوائد:

هنيا لأصحاب خير الورى ÷ ولا تنس أصحاب أخياره

أولئك فازوا بتذكيره ÷ ونحن سعدنا بتذكاره

وهم سبقونا إلى نصره ÷ وهذا نحسن اتباع أنصاره

ولما حرمنا لقا عينه ÷ عكفنا على حفظ آثاره

عسى أن يجمعنا كلنا ÷ برحمة معه في داره

المجلس الرابع والعشرون: في الحديث الرابع والعشرين

الحمد لله الذي نطقت بوحدانيته عجائب مصنوعاته، وأطبقت على صمدانيته غرائب مبتدعاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وزاده فضلا وشرفا لديه، وعلى آله وصحبه أجمعين آمين.

عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فِيْمَا يَرْوِيْهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (رواه مسلم) .

اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث من الأحاديث القدسية، وهو حديث عظيم رباني، مشتمل على فوائد عظيمة في أصول الدين وفروعه وآدابه ولطائف القلوب.

قال الإمام النووي في أذكاره أن أبا إدريس راويه عن أبي ذر كان إذا حدّث به جثا على ركبتيه تعظيما له وإجلالا.

قوله: (يَا عِبَادِيْ) جمعٌ لعبدٍ، يتناول الأحرار والأرقاء من الذكور والإناث إجماعا.

قال أبو علي الدقاق: ليس للمؤمن صفة أشرف، ولا أتم من العبودبة.

وقيل:

يا قوم قلبي عند أسمائي ÷ يعرفه السامع والرائي

لا تدعني إلابيا عبدها ÷ فإنه أشرف أسمائي

وأقوال العلماء في العبد والعبودية كثيرة، وكل واحد تكلم بلسان قاله على قدر مقامه، فقال ابن عطاء: العبد الذي لا ملك له.

وقال رويم: يتحقق العبد بالعبودية إذا سلم القياد من نفسه إلى ربه، وتبرّأ من حوله وقوّته، وعلم أن الكل له.

وما أحسن ما قيل في هذا المحلّ:

وكنت قديما أطلب الوصل منهم ÷ فلما أتاني العلم وارتفع الجهل

تيقنت أن العبد لا طلب له ÷ فإن قربوا فضل وإن أبعدوا عدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت