فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 118

ومنها: تعظيم القلب، والسعي فيما يصلحه، وأن الحواس مع العقل كالحجاب مع الملك، وكالرعية له، وأن العقوبة من حسن الجناية.

وفيه ضرب الأمثال للمعاني الشرعية، وأن الأعمال القلبية أفضل من البدنية، وأنها لا تصلح إلا بالقلب.

في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيْنَ آمَنُوْا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوْبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ .. الآية} [الحديد:] ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين.

وروي أن بعض الناس أصابتهم فترة في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال بعض أهل المعاني: هذا كلام يشبه الاستبطاء.

ومعناه: أما حان وقت الخشوع، أما آن أوان الرجوع، أما حق على المفرط إسبال الدموع، أما هذا وقت التذلل والخضوع.

وفي ذكر الإيمان في أول الآية تعريف بالمنة، وإشارة إلى استبطاء ثمرة هذا الإيمان، وثمرته أن تخشع قلوبكم بهذا الإيمان، وثمرته أن تبكوا على ما سلف من ذنوبكم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله أواني، ألا وهي القلوب، وأقربها إلى الله ما رَقَّ وَصَفَا وصلب.

قال أبو عبد الله الترمذي: الرقة خشية الله تعالى، والصفاء للإخوان في الله، والصلابة في دين الله.

يقال: شبه القلوب بالآنية، فقلب الكافر إناء مكسور مقلوب، لا يدخله شيء من الخير، وقلب المنافق إناء مكسو، وما ألقي من أعلاه نزل من أسفله، وقلب المؤمن إناء صحيح معتدل، يلقى فيه الخير فَيَصِلُ.

ويقال: قسوة القلب إنما تكون لانحرافه عن مراقبة الرب.

وقيل: إنما تحصل القسوة من متابعة دواعي الشهوة، فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان، وأول ما يقع في القلب غفلة، فإن أيقظه الله، وإلا صارت خطرة، فإن ردّها الله وإلا صارت فكرة، فإن صرفها الله تعالى وإلا صارت عزمة، فإن حماه الله، وإلا وقعت المعصية، فإن أنقذه الله بالتوبة وإلا صارت قسوة، فإن ألانها الله وإلا صارت طبعا ورينا. قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوْبِهِمْ مَا كَانُوْا يَكْسِبُوْنَ} [المطففين:] .

قال إبراهيم بن أدهم: قلب المؤمن نقي كالمرآة، فلا يأتيه الشيطان بشيء إلا أبصره، فإذا أذنب ذنبا واحدا ألقى الله في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب الله عليه محيت، فإن عاد إلى المعصية ولم يتب تتابعت النكت، حتى يسودّ.

وقال الترمذي: حياة القلوب الإيمان، وموتها الكفر، وصحتها الطاعة، ومرضها الإصرار على المعصية، ويقظتها الذكر، ونومها الغفلة.

وفي الخبر: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسى قلوبكم.

فيا إخواننا، البدار البدار، فالعمر طيار.

شعر:

إنما هذه الدنيا متاع ÷ فالغرور الغرور من يصطفيها

ما مضى فات والمؤمل غيب ÷ ولك الساعة التي أنت فيها

كان بعض السلف الصالح يوقد المصباح، ولا يزال يبكي إلى الصباح كلما رأى النار، ذكر النار.

وكان بعضهم يوقد النار ويقرب يده منها، كلما أحس بالحرارة يقول: يا ويلك، لِمَ فعلت كذا وكذا.

اللهم وفقنا كما وفقتهم، آمين، والحمد لله رب العالمين.

المجلس السابع: في الحديث السابع

الحمد لله الذي سبقت رحمته غضبه، وعنده بذلك كتاب كتبه {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة} [الأنعام:] ، وأسبغ على خلقه النعمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله لا يخيب من توجه إليه وأمّه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله نبي الرحمة وسراج الظلمة، الذي نصح الأمة، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم فانكشف عنه الغمة، آمين.

عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ تَمِيمٍ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [رواه مسلم] .

اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، إن هذا الحديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام لا يجاوزه، لكثرة معانيه، بل قالوا: ليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفى بها العبارة غير النصيحة.

قوله (اَلدِّيْنُ) هو ما سبق في حديث جبريل من أنه الإسلام والإيمان والإحسان.

وعبر عنه بعضهم بقوله: ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام.

قوله (اَلنَّصِيْحَةُ) مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح بما يسد من خلل الثوب.

وقيل: مأخوذ من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع.

وهي كلمة جامعة، معناها: حيازة الحظ للمنصوح له بما يقوّم دينه، وعماده النصيحة. فهي كقولهم: الحج عرفة.

ولقائل أن يقول: الدين محصور فيه، فإن من جملتها: طاعة الله ورسوله، والإيمان والعمل بما قالاه من كتاب وسنة. وليس وراء ذلك سوى الدين، كما سلف في حديث جبريل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت