غيضة وقال: اللهم إني أستودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل، فصارت العجلة في الغيضة أعواما، وكانت تهرب من كل من رآها، فلما كبر الابن وكان بارا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أقسام؛ يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره، فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه، ويأكل بثلثه، ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك ورّثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق فادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك، وعلامتها أنك إذا نظرت إليها تخيّل لك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأتي إلي، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها يقودها، فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى فقالت: أيها الفتى البار بوالدتك، اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني، ما كنت تقدر عليّ أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لِبِرِّك بأمك، فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك فيشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي، وكان ثمن البقرة يومئذ ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بَرّ بوالدته، وكان الله به خبيرا، فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضى والدتي فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي، فردها إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني فانطلق بها إلى السوق، وأتى الملك فقال: استأمرْتَ أمك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على أن أستأمرها، فقال الملك: فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى، فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ (ففعل) فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها، فما زالوا يستوصفون موسى حتى وصف لهم تلك البقرة، مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة. فذلك قوله تعالى: {اُدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ؟ .. إلى آخر الآيات} [البقرة:] ، فطلبوها، فلم يجدوها بكمال صفتها إلا مع الفتى، فاشتروها بملء مسكها ذهبا، فذبحوها، وضربوا القتيل ببعض منها كما أمر الله تعالى، فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما وقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه، فحرم قاتله الميراث.
وفي الخبر: «مَا وَرِثَ قَاتِلٌ بَعْدَ صَاحِبِ البَقَرَةِ» ، قال تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى} كما أحيا عاميل {وَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ} قيل: تمنعون أنفسكم عن المعاصي. فسبحان من فاوت بين الخلق.
قيل لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك فَتَلَّه للجبين، وقيل لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة، فذبحوها وما كادوا يفعلون.
وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن جميع ماله، وبخل ثعلبة بالزكاة.
وجاد حاتم في حضره وأسفاره، وبخل الحباحب بضوء ناره، اللهم وفقنا أجمعين يا رب العالمين.
الحمد لله الذي أنشأ العالم واخترعه، وابتدأ شكله وابتدعه، وأتقن كل شيء صنعه، وأحكم متفرقه ومجتمعه، أحمده على ما وهب من إحسانه، حمد معترف بالتقصير عن شكر امتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معلن بلسانه عما في ضميره وجنانه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، بعثه بالبينات مرشدا لهدي الإيمان، مؤيدا بمعجزات القرآن، وأظهر دينه على سائر الأديان، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه في كل وقت وآوان، آمين.
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ اَلْمُرْسَلِيْنَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوْا صَالِحًا} [] ، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُلُوْا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [] » ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [رواه مسلم] .