وفيه إشارة إلى أن جهاد النفس بقمعها عن الكلام فيما يرديها ويؤذيها أشق عليها من جهاد الكفار، وإن هذا هو الجهاد الأصغر، وذلك هو الجهاد الأكبر، إذ منعها هواها من أجل ما اقتناه الإنسان ومن أعظم آدابها الصمت وترك الكلام فيما لا يعني،
13 -ومن ثم قال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» .
ولما قال له - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكَ ... إلخ» قال: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، فَأَخَذَ - صلى الله عليه وسلم - بِلِسَانِهِ أي أمسك لسان نفسه، ثم قال: «كُفَّ عَلَيْكَ» أي عنك «هَذَا» أي عن الشر. قال: قلتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُوْنَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ استفهام استثبات وتعجب واستغراب، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ» أي فقدتك «أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ» أي يلقي «النَّاسَ» أي أكثرهم «فِي النَّارِ عَلَى وُجُوْهِهِمْ» أَوْ قَالَ «عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» أي ما تكلمت به من الإثم، جمع حصيدة، بمعنى: محصودة، شبه ما تكتسبه الألسنة من الكلام بحصائد الزرع بجامع الكسب والجمع، وشبه اللسان في تكلمه بذلك بحد المنجل الذي يحصد به الزرع.
14 -وفي الصحيح: «مَنْ يَضْمَنْ لِيْ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَضْمَنُ لَهُ الْجَنَّةَ» .
15 -وفيه: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَ لَا يُلْقِيْ لَهَا بَالًا يُكْتَبُ لَهُ رِضْوَانُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِيْ لَهَا بَالًا يَعْلَمُ أَنَّهَا تَقَعُ حَيْثُ تَقَعُ فَيُكْتَبُ لَهُ بِهَا سَخَطُهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» أَوْ قَالَ: «يَهْوِيْ بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا» .
وفي الحكمة: لسانك أسدك، إن أطلقته افترسك، وإن أمسكته حرسك.
ولهذا كان أبو بكر - رضي الله عنه - يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني المهالك، فلما مات رؤي في المنام، فقيل له: ما الذي أوردك لسانك؟ قال: قال لا إله إلا الله، فأوردني الجنة.
ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.
16 -في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَو لْيَصْمُتْ» .
17 -وفيهما: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَيُّ الْمُسْلِمِيْنَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُوْنَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» .
وبلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ قال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته منها ثمانية آلاف، ووجدت خصلة إن استعملتها ستر العيوب كلها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان.
فالصمت سلامة، كما قيل:
احفظ لسانك أيها الإنسان ÷ لا يلدغنك، إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ÷ كانت تهاب لقاءه الشجعان
وقيل:
جراحات السنان لها التئام ÷ ولا يلتام ما جرح اللسان.
الحمد لله الذي إذا لطف أعان، وإذا عطف صان، أكرم من شاء ومن شاء أهان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحنان المنان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة إلى الإنس والجان. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما اختلف الجديدان، آمين.
عَن أَبي ثَعْلبةَ الْخُشَنِيِّ جُرثُومٍ بنِ ناشرٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ اللهَ تَعَالى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْها» . حَدِيْثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن هذا الحديث حديث عظيم، قال بعضهم: ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه منه.
ولهذا قال السمعاني: من عمل به فقد حاز الثواب، وأمن العقاب.
قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ تَعَالى فَرَضَ فَرَائِضَ) أي أوجبها، وحتم العمل بها.
قوله: (فَلاَ تُضَيِّعُوهَا) أي بالترك، أو التهاون فيها حتى يخرج وقتها، بل قوموا بها كما فرض عليكم.
قوله: (وَحَدَّ حُدُوْدًا) جمع حد، وهو لغة: الحاجز بين الشيئين، وشرعا: عقوبة مقدرة من الشارع تزجر عن المعصية، أي جعل لكم حواجز وزواجر مقدرة تحجزكم وتزجركم عما لا يرضاه.
قوله: (فَلَا تَعْتَدُوْهَا) أي لا تزيدوا عليها عما أمر به الشرع.
قوله: (وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا) أي لا تتناولوها ولا تقربوها.
قوله: (وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ) أي لأجلكم