بعد مدة رأيته في الطواف، فقال: يا شبلي، انظر إلى الصيام كيف أصلح بيني وبينه.
5 -وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كنت في مركب، والريح طيبة، فهتف بنا هاتف سبع مرات: يا أهل السفينة، قفوا حتى أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة.
قوله: (وَالصَّدَقَةُ) أي فعلها (تُطْفِئُ) أي تمحو (الْخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ) ، وخصت الصدقة بذلك لتعدّي نفعها، ولأن الخلق عيال الله، وهي إحسان إليهم، والعادة أن الإحسان إلى عيال شخص يطفئ غضبه، وسبب إطفاء الماء النار أن بينهما غاية التضاد، إذ هي حارة يابسة، وهو بارد رطب، فقد ضادها، والضد يقمع الضد ويعدمه، وبإطفاء الخطايا ينور القلب، وتصفو الأعمال، فلذك كانت الصدقة بابا عظيما لغيرها من الأعمال، وقد قدمنا شيئا من بعض فضائل الصدقة.
وهنا فوائد:
قيل: كان رجل من قوم صالح قد آذاهم، فقالوا: يا نبي الله، ادع الله عليه، فقال: اذهبوا، فقد كفيتوه، وكان يخرج كل يوم يحتطب، قال: فخرج يومئذ ومعه رغيفان، فأكل أحدهما وتصدق بالآخر، قال: فاحتطب، ثم جاء بحطبه سالما، فلم يصبه شيء، قال: فدعاه صالح وقال: أي شيء صنعت اليوم؟ قال: خرجت ومعي قرصان، فتصدقت بأحدهما، وأكلت الآخر، فقال صالح - عليه السلام: حلّ حطبك، فحلّه، فإذا فيه ثعبان أسود مثل الجذع عاضّ على جذع من الحطب، فقال: بهذا دفع عنك، يعني: بالصدقة.
6 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن نفرا مروا على عيسى - عليه السلام - فقال: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء الله تعالى، فمضوا، ثم رجعوا عليه سالمين بالعشي ومعهم حزم حطب، فقال: ضعوا، وقال للذي قال إنه يموت اليوم: حلّ حطبك، فحلّه، فإذا فيه حية سوداء، فقال: ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت شيئا إلا أنه كان معي في يدي فلقة من خبز، فمرّ بي مسكين، فسألني فأعطيته بعضها، فقال: بها دفع عنك.
7 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَانَ فِيْمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ يَأْتِيْ وَكْرَ طَائِرٍ، كُلَّمَا أَفْرَخَ يَأْخُذُ فَرْخَيْهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الطَّيْرُ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَا يَفْعَلُ بِهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ إِنْ عَادَ فَسَأُهْلِكُهُ، فَلَمَّا أَفْرَخَ الطَّائِرُ خَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى وَكْرِهِ عَلَى الْعَادَةِ لِيَأْخُذَ أَوْلَادَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِيْ طَرَفِ الْقَرْيَةِ لَقِيَهُ سَائِلٌ فَأَعْطَاهُ رَغِيْفًا كَانَ مَعَهُ يَتَغَذَّاهُ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى الْوَكْرَ، ثُمَّ وَضَعَ سُلَّمَهُ فَأَخَذَ الْفَرْخَيْنِ وَأَبَوَاهُمَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ فَقَالَا: رَبَّنَا إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيْعَادَ، وَقَدْ وَعَدْتَنَا أَنَّكَ تُهْلِكُ هَذَا إِذَا عَادَ، فَقَدْ أَخَذَ فَرْخَيْنَا وَلَمْ تُهْلِكْهُ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمَا: أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّيْ لَا أُهْلِكُ أَحَدًا تَصَدَّقَ فِيْ يَوْمِهِ بِمِيْتَةٍ سُوْءٍ» .
-وعن وهب بن منبه قال: بينما امرأة من بني إسرائيل على ساحل البحر تغسل ثيابا، وصبي لها يدبّ بين يديها، إذ جاء سائل فأعطته لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب فالتقم الصبي، فجعلت تعدو خلفه وهي تقول: يا ذئب، ابني، فبعث الله ملكا انتزع الصبي من فم الذئب ورمى به إليها، وقال: لقمة بلقمة.
وقيل: إن قصارا كان في زمن عيسى - عليه السلام - يهرش على الناس أقمشتهم، فسألوا عيسى - عليه السلام - أن يدعو عليه، فدعا عليه بالهلاك، فبينما هم عند غروب الشمس، وإذا القصار قد دخل ورزمته على رأسه، فعجبوا من ذلك، وأتوا عيسى - عليه السلام - فطلبه، فحضر برزمته، فقال: افتح رزمتك، ففتحها، فإذا فيها ثعبان عظيم مطوق قد ألجم بلجام من حديد، فقال له عيسى: ما صنعت اليوم من الخير؟ قال: ما صنعت شيئا إلا أن رجلا نزل من صومعة فشكا إليّ جوعا، فدفعت له رغيفا كان معي، فقال له عيسى - عليه السلام: إن الله بعث إليك هذا العدوّ، فلما تصدقت أمر الله ملكا فألجمه بهذا اللجام.
قوله - صلى الله عليه وسلم: (وَصَلَاةُ الرَّجُلِ) إنما خصه بالذكر لأن السائل كان رجلا، ولأن الخير غالبا في الرجال، إذ أكثر أهل النار النساء، فالمرأة مثل الرجل في ذلك.
قوله: (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي في جوف الليل، إذ هي فيه مطلقا أفضل منها في النهار، ولأن الخشوع والتضرع فيه أسهل وأكمل، ومن ثم كانت بابا عظيما من أبواب الخير، لأنه يتوصل بها إلى صفاء السر ودوام الشهود والذكر، ثم هي فيه بعد النوم أفضل منها فيه قبله، وتحصل فضيلة قيامه بصلاة ركعتين،
8 -لخبر: «مَنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَدْرَ حَلَبِ شَاةٍ كُتِبَ مِنْ قَوَّامِ اللَّيْلِ» .
واختلفوا في أفضل أجزائه، الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة ما ذهب إليه إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه - من أنه إن جزّأه نصفين، فالنصف الثاني أفضل، أو ثلاثا، فالثلث الأخير أفضل، أو أسداسا، فالسدس الرابع والخامس أفضل.
وهذا هو الأكمل على الإطلاق، لأنه الذي واظب عليه - النبي - صلى الله عليه وسلم -