فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 118

رَبِّهِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَبَّحَ اللهُ الدُّنْيَا، قَالَتِ الدُّنْيَا: قَبَّحَ اللهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ».

وليعلم أن الحامل على الزهد أشياء،

-منها: استحضاره الآخرة، ووقوفه بين يدي مولاه، فحينئذ يغلب شيطانه وهواه، وتعزب نفسه عن لذات الدنيا ونعميها،

9 -وشاهده: أن حارثة - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أصبحت مؤمنا حقا، قال: «إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيْقَةٌ، فَمَا حَقِيْقَةُ إِيْمَانِكَ؟» قَالَ: صَرَفْتُ نَفْسِيْ عَنِ الدُّنْيَا، فَاسْتَوَى عِنْدِيْ حَجَرُهَا وَمَدَرُهَا، وَكَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّيْ بَارِزًا، وَكَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَنْعَمُوْنَ، وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ يُعَذَّبُوْنَ. قَالَ: «يَا حَارِثَةُ، عَرَفْتَ فَالْزَمْ» .

ومثل هذا هو الذي تكون الدنيا سجنه.

ولذا قال أئمتنا: لو أوصي لأعقل الناس: صرف للزهاد، أي لأنه لا أعقل منهم، حيث آثروا الباقي على الفاني.

-ومنها: استحضار أن لذاتها شاغلة للقلوب عن الله، ومنقصة للدرجات عنده، وموجبة لطول الحبس والوقوف في ذلك الموقف العظيم للحساب والسؤال عن شكر نعيمها.

-ومنها: كثرة التعب والذل في تحصيلها، وكثرة عيوبها، وسرعة تقلبها وفنائها، ومزاحمة الأراذل في طلبها وحقارتها عند الله.

ولذا قال الفضيل: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ على حدّ لا أحاسب عليها لتقذرتها كما أتقذر الجيفة.

-ومنها: استحضار أنها وما فيها ملعونة، لا فيما استثني

10 -في قوله - صلى الله عليه وسلم: «اَلدُّنْيَا مَلْعُوْنَةٌ، مَلْعُوْنٌ مَا فِيْهَا، إِلَّا ذَكْرَ اللهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمًا وَمُتَعَلِّمًا» .

-ومنها: استحضار أن تركها موجب لرفعة الدرجات، وحلول الرضوان الأكبر منه تعالى في دار الكرامات.

11 -ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: «اِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ ... » ، لأن الله تعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا لا تجتمع، كما دلت عليه النصوص والتجربة والتواتر.

12 -ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ» ، وإنه لا يحب الخطايا، ولا أهلها.

ولأنها لهو ولعب، وإن الله لا يحبهما، ولأن القلب بيت الرب، لا شريك له، فلا يحب أن يشركه في بيته حب دنيا ولا غيرها.

قيل: أوحى الله تعالى إلى داود - عليه السلام: يا داود، إني حرمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري، يا داود، إن كنت تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك، فإن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب واحد، يا داود، من أحبني يتهجد بين يدي إذا نام البطالون، ويذكرني في خلواته إذا لها عن ذكري الغافلون.

وحاصل ما ذكرناه، أنّا نقطع بأن محب الدنيا مبغض عند الله تعالى، فالزاهد فيها محبوب له تعالى، ومحبتها الممنوعة هي إيثارها لنيل الشهوات واللذات، لأن ذلك يشغل عن الله تعالى.

أما محبتها لفعل الخير، والتقرب إلى الله تعالى فهو محمود،

13 -لخبر: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ، يصل به رحمه، ويصنع به معروفا.

14 -وفي أثر: إذا كان يوم القيامة، جمع الله تعالى الذهب والفضة كالجبلين العظيمين، ثم يقول: هذا ما لنا عاد إلينا، سعد به قوم، وشقي به آخرون.

قوله - صلى الله عليه وسلم: (وَازْهَدْ فِيْمَا فِيْ أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ) أي لأن قلوب غالبهم مجبولة على حب الدنيا، ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه، ومن لم يعارضه فيه أحبّه.

ولذا قال الشافعي - رضي الله عنه:

ومن يذق الدنيا فإن طعمها ÷ وسيق إلينا عذبها وعذابها

فلم أرها إلا غروروا وباطلا ÷ كما لاح في ظهر الغلاة سرابها

وما هي إلا جيفة مستحيلة ÷ عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنيها كنت سلما لأهلها ÷ وإن تجتذبها نازعتك كلابها

فدع عنك فضلات الأمور فإنها ÷ حرام على نفس التقي ارتكابها

قال بعضهم: ولا يبعد عندي أن الزاهد في الدنيا تحبه الإنس والجن، أخذا بعموم لفظ الناس، إذ يطلق لغة على الإنس والجن.

15 -وأخرج الطبراني خبرا: «اِزْهَدْ فِيْمَا فِيْ أَيْدي النَّاسِ تَكُنْ غَنِيًّا»

وقال الحسن: لا يزل الرجل على الناس كريما ما لم يعط مما في أيديهم، فحينئذ يستخفون به ويكرهون حديثه ويبغضونه.

وقال أيوب السختياني: لا يعتبر الرجل حتى يعفّ عما في أيدي الناس ويتجاوز عما يكون منهم.

وكان عمر يقول في خطبته: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى.

وسأل ابن سلام كعبا بحضرة عمر - رضي الله عنهم: ما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس.

وقال أعرابي لأهل البصرة: من سيدكم؟ قالوا: الحسن. قال: لِمَ سادكم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم. فقال: ما أحسن هذا.

(1) ب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت