فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 118

قال العلماء: ومن مات من غير حد ولا توبة عذب في النار بسياط من نار، كما ورد أن في الزبور مكتوبا: أن الزناة يعلقون بفروجهم يضربون عليها بسياط من حديد، فإذا استغاث أحدهم من الضرب نادته الزبانية: أين كان هذا الصوت، وأنت تضحك وتفرح وتمرح ولا تراقب الله تعالى ولا تستحي منه.

وجاء في السنة الشريفة تغليظ عظيم في الزنا، لا سيما بحليلة الجار، والتي غاب عنها زوجها، وأعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم، وهو بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وزنا الثيب أقبح من البكر، وزنا الشيخ، لكمال عقله، أقبح من زنا الشاب، والحر والعالم، لكمالهما، أقبح من القن والجاهل. وفي ذلك أحاديث كثيرة.

وللزنا ثمرات قبيحة؛

-منها: أنه يورد النار والعذاب الشديد.

-ومنها: أنه يورث الفقر.

-ومنها: أنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني. ولما قيل لبعض الملوك ذلك، أراد تجربته في بنت له، وكانت غاية في الجمال، أنزلها مع امرأة فقيرة، وأمرها أن لا تمنع أحدا أراد التعرض لها بأي شيء شاء، وأمرها بكشف وجهها، وأنها تطوف بها في الأسواق، فامتثلت، فما مرت بها على أحد إلا وأطرق رأسه منها، حياء وخجلا، ولم يمد أحد نظره إليها، فلما قربت من دار الملك لتريد الدخول بها، أمسكها إنسان وقبلها، ثم ذهب عنها، فأدخلتها على الملك، فسألها عما وقع، فذكرت له القصة، فسجد شكرا لله تعالى، وقال: الحمد لله، ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة واحدة لامرأة، وقد قصصت بها.

فيا إخواني، السعيد من حفظ فرجه، وغض بصره، وكف يده.

وقيل: إن بعض العرب عشق امرأة، وأنفق عليها أموالا كثيرة حتى مكنته من نفسها، فلما جلس بين شعبها، وأراد الفعل ألهمه الله التوفيق، ففكر، ثم أراد القيام عنها، فقالت له: ما شأنك؟ فقال: من يبيع جنة عرضها السماوات والأرض بقدر فتر لقليل الخبرة بالمساحة؟ ثم تركها وذهب.

وقع لبعض الصالحين أن نفسه حدثته بفاحشة، وكان عنده فتيلة، فقال لنفسه: يا نفس، إني أدخل أصبعي في هذه الفتيلة، فإن صبرت على حَرِّها مكنتك مما تريدين، ثم أدخل أصبعه في الفتيلة حتى أحست نفسه أن الروح كادت تزهق منه من شدة حرها في قلبه، وهو يتجلد على ذلك ويقول لنفسه: هل تصبرين؟ وإذا لم تصبري على حر هذه النار اليسيرة التي أطفئت بالماء سبعين مرة حتى قدر أهل الدنيا على مقابلتها، فكيف تصبرين على حر جهنم المتضاعفة حراراتها على هذه سبعين ضعفا؟ فرجعت نفسه عن ذلك الخاطر، ولم يخطر لها بعد.

فنسأل الله تعالى التوفيق.

واعلم أن اللواط من الكبائر، وقد سماه الله تعالى فاحشة وخبيثة، وأجمعت الصحابة على قتل فاعل ذلك، وإنما اختلفوا في كيفية قتله؛

-فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد الزنا؛ إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنا يجلد مائة مرة، وهو قول ابن المسيب وعطاء والحسن وقتادة والنخعي، وبه قال الثوري والأوزاعي، وهو أظهر قولي الشافعي رحمهم الله.

-وذهب قوم إلى غير ذلك.

والأحاديث في ذم اللواط كثيرة، عافانا الله تعالى من ذلك، آمين.

قوله (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أي بقتلها ظلما وعدوانا بما يقتل غالبا.

قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ .. الآية} [المائدة: 45] ، والمراد: النفوس المتكافئة في الإسلام والحرية. وشروط القصاص مذكورة في كتب الفقه، فلتراجع منها.

وسبب قتل النفس بالنفس أن القاتل لما هتك عصمة النفس، وهي عظيمة، أخذت في مقابلتها نفسه المعصومة، وهي مصلحة عظيمة {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .

قوله (وَالتَّارِكُ لِدِيْنِهِ) أي المرتد عنه لغير الإسلام، والعياذ بالله تعالى، فيقتل ما لم يَعُدْ إلى الإسلام. لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، والردة أفحش أنواع الكفر.

قوله (اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) وصف عام للتارك لدينه، لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام، فقد خرج عن دين جماعتهم، ويدخل في هذا الوصف: كل من خرج عن جماعة المسلمين وإن لم يكن مرتدا، كالخوارج، وأهل البدع.

وعلى هذا، قال القابسي رحمه الله: يقاتل المرتد حتى يرجع إلى دينه، ويقاتل الخارج عن الجماعة حتى يرجع إليها وليس بكافر. ويمكن أن يكون خروجه كفرا أو ردة. والحكمة في قتل التارك لدينه أنه لما حل نظام عقد الإسلام حل قتله بالسيف ونحوه.

واعلم أن المقصود بهذا الحديث: بيان عصمة الدماء وما يباح منها، وأن الأصل فيها العصمة.

ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوْا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا» ، إلى غير ذلك من الأحاديث.

قال الغزالي رحمه الله تعالى: لو زعم زاعم أن بينه وبين الله تعالى حالة أسقطت عنه الصلاة، وأحلت له شرب الخمر، وأكل مال السلطان، كما زعمه بعض من ادعى التصوف، فلا شك في وجوب قتله، وإن كان في خلوده في النار نظر، وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر، لأن ضرره أكثر.

اللهم ارزقنا التوفيق لأقوم طريق، آمين يا رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت