فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 118

المجلس الخامس عشر: في الحديث الخامس عشر

الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، النبي الكريم، وعلى آله وأصحابه ذوي الطبع السليم.

اللهم هب لنا قولا صادقا، وعملا صالحا، وفرجا عاجلا، يا أرحم الراحمين.

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوِ لْيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» [رواه البخاري ومسلم] .

اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن هذا الحديث حديث عظيم، وجميع آداب الخير تتفرع منه، كما ذكره بعضهم، رحمه الله.

قوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يوم القيامة، سمي بذلك لأنه لا ليل بعده، ولا يسمى يوما إلا ما عقبه ليل.

والمراد بما ذكر كمال الإيمان، أو المبالغة في ذلك.

قوله (فَلْيَقُلْ خَيْرًا) هو ما فيه ثواب من القول.

قوله (أَوِ لْيَصْمُتْ) بفتح الياء، وضم الميم. وحقيقة الصمت السكوت مع القدرة على النطق، فإن توقف فيه فهو العِيُّ - بكسر العين - أو فسدت آلة النطق فهو الخرس.

قال الله تعالى: {وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيْدًا} [الأحزاب: 70] .

وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] .

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسُ عَلَى وُجُوْهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»

وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ، إِلَّا ذِكْرَ اللهِ، أَوْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ نَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ» .

والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة.

فيا إخواني، ما أكثر آفات اللسان، وقد عدت فوق العشرين آفة.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: إذا أراد الشخص أن يتكلم فعليه أن يفكر قبل كلامه.

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى لَا يُلْقِيْ لَهَا بَالًا يَرْفَعُ اللهُ تَعَالَى بِهَا دَرَجَاتِهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لَا يُلْقِيْ لَهَا بَالًا يَهْوِيْ بِهَا فِيْ جَهَنَّمَ» .

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيْئَتِكَ» قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَصْبَحَ اِبْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُفَكِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُوْلُ: اِتَّقِ اللهَ فِيْنَا، فَإِنَّا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اِسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اِعْوَجَجْتَ اِعْوَجَجْنَا» .

وعن الأستاذ أبي القاسم القشيري رحمه الله في رسالته قال: الصمت سلامة، وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه أشرف الخصال.

ومما أنشدوه:

احفظ لسانك أيها الإنسان ÷ لا يلدغنك إنه ثعبان

وقال الرقاش رحمه الله تعالى:

لعمرك إن في ذنبي لشغلا ÷ لنفسي عن ذنوب بني أميه

على ربي حسابهم إليه ÷ تناهى علم ذلك لا إليّه

فليس بضائري ما قد أتوه ÷ إذا ما الله أصلح ما لديّه

قوله (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ)

قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} أي القريب منك في الجوار والنسب {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} أي البعيد منك في الجوار والنسب.

وقد وردت أخبار كثيرة في إكرام الجار والوصية به؛

-منها: هذا الحديث.

-ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟» قَالُوا: «حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقَيَامَةِ» . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ يَزِنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ» ثُمَّ قَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟» ، قَالُوا: «حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقَيَامَةِ» ، فَقَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ بَيْتِ جَارِهِ» [رواه الإمام أحمد] .

-ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ» ، قِيْلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ، لَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، مَنْ هُوَ؟» ، قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ، قَالُوا: «وَمَا بَوَائِقُهُ؟» ، قَالَ: «شَرَّهُ» [رواه البخاري] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت