-ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آذَى جَارَهُ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِيْ فَقَدْ آذَى اللهَ، وَمَنْ حَارَبَ جَارَهُ فَقَدْ حَارَبَنِيْ، وَمَنْ حَارَبَنِيْ فَقَدْ حَارَبَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه أبو الشيخ] .
-ومنها ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْ غَزْوَةٍ، فَقَالَ: «لَا يَصْحَبُنَا مَنْ آذَى جَارَهُ» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: «أَنَا بُلْتُ فِي حَائِطِ جَارِي» ، فَقَالَ: «لَا تَصْحَبْنَا اَلْيَوْمَ» [رواه الطبراني] .
-ومنها ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصَدَقَاتِهَا وَصِيَامِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِيْ جَيْرَانَهَا بِلِسَانِهَا» قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ» ، قَالَ: «يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تَتَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جَيْرَانَهَا» ، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» [رواه الإمام أحمد وغيره] . والأثوار - بالثاء المثلثة - جمع ثور، وهي القطعة من الأقط - بفتح الهمزة وكسر القاف - شيء يتخذ من مخيض اللبن.
-ومنها ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَيَّ؟» ، قَالَ: «إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِنْ أَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيْبَةٌ عَزَيْتَهُ، وَلَا تَرْفَعْ بِنَاءَكَ فَوْقَ بِنَائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيْحَ، وَلَا تُؤْذِيْهِ بِرِيْحِ قِدْرِكَ إِلّا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا» [رواه الطبراني] .
وفي رواية من طريق آخر لهذا الحديث: «فَإِنِ اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَدْخِلْهَا سِرًّا، وَلَا تُخْرِجْ وَلَدَكَ لِيَغِيْظَ بِهَا وَلَدَهُ» [رواه الخرائطي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وابن شعيب عن أبيه عن جده.
-ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا زَالَ جِبْرِيْلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [رواه البخاري ومسلم] .
-ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَاْخُذُ عَنِّيْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَلْيَعْمَلْ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمْ مَنْ يَعْمَلْ بِهِنَّ؟» ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قُلْتُ: «أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ» ، فَأَخَذَ بِيَدِيْ، فَعَدَّ خَمْسًا، قَالَ: «اِتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحْكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحْكِ تُمِيْتُ الْقَلْبَ» [رواه الترمذي وغيره] .
-وقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيْرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» .
ولقد بالغ بعض المجتهدين فجعل الجار كالشريك في إثبات الشفعة، وكانت الجاهلية تشدد أمر الجار ومراعاته وحفظ حقه.
والجار: يقع على الساكن مع غيره في بيت، وعلى الملاصق، وعلى أربعين دارا من كل جانب، وعلى من في البلد مع غيره، لقوله تعالى: {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا} [] .
ثم هو إما كافر، فله حق الجوار فقط، أو مسلم أجنبي، فله حق الجوار والإسلام، أو ذو قرابة، فله حق الجوار والإسلام والقرابة.
-قال صلى الله عليه وسلم: «اَلْجِيْرَانُ ثَلَاثَةٌ؛ جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوْقٍ»
فأما الذي له حق واحد فالجار الذمي، له حق الجوار، والذي له حقان الجار المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، والذي له ثلاثة حقوق، الجار القريب المسلم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة.
وذكر الزمحشري في ربيع الأبرار أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ الْوَاحِدِ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ اَلْبَلَاءَ» ، وفيه بشارة عظيمة.
وليعلم أن من كان أقرب مسكنا آكد من غيره، لما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِيْ جَارَيْنِ؛ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِيْ؟» ، قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» .
ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَهَّدْ جَيْرَانَكَ» ، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق، لما يترتب عليها من المحبة، وحسن العشرة، ودفع الحاجة والمفسدة، فإن الجار قد يحصل له الأذى برائحة الطعام من بيت جاره، وربما له أطفال صغار، وإذا شموا رائحة الطعام حصل لهم بذلك تشويش إن لم يرسل لهم منها شيئا يكسر شهوتهم التي أثارها طعام الجار، ولأنه يعظم على الذي هو قائم على الأطفال أن يشتري لهم مثله، لا سيما إن كان فقيرا أو كانت امرأة أرملة، ومعها أيتام، ومثل هذه الواقعة هي التي فرقت بين يوسف وأبيه كما قيل: إن الله عز وجل أوحى إلى يعقوب: أتدري لِمَ عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك شويت عناقا، وفترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه، هكذا نقل عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى، والله أعلم.
وينبغي لك إذا أهدى إليك جارك أو صاحبك أو قريبك هدية أن تقبلها منه ولا تحتقرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ» ، وفي رواية: «يَا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ، لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كِرَاعِ شَاةٍ»